الصفحات

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سطور صحفية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سطور صحفية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 4 يناير 2014

بنك الدم مفيهوش دم... مجرد حكاية من وطن عاجز




ساعتين فقط فصلا بين كونها في حاله خطيرة، وبين استقرار كل شيء فيها إلي الأبد.

صديقة لصديقتي لم تراها منذ شهور، ذهبت إلي لقائها بعدما علمت بنيتها السفر إلي الخارج، وعزمها عدم العودة إلي ذلك الوطن من جديد، لكن وطننا العزيز أراد أن يقتلها مرتين، مرة حين دفعها للرحيل، وآخري حين تركها تنزف حد الموت لأنه بالرغم من اتساعه لا يحوى نقطة دماء واحدة تنقذ حياتها!

لم أراها ولن أراها.. ظهرت في حياة صديقتي المقربة، التي كانت في زمن سابق صديقتها المقربة، لتذكرنا فقط بحقيقة أن الموت أقرب إلينا مما نتخيل... ولتؤكد حقيقة أننا نعيش في وطن قاتل مع سبق الإصرار والتبلد، من لم يمت فيه بالرصاص مات بغيره.

للعام الثاني على التوالي اقضي أول أيام السنة الجديدة تائهة بين أروقة المستشفيات ابحث عن دماء.

المكان بنك الدم الرئيسي في الدقي الزمان: الساعة العاشرة مساءاً الحدث: فتاتان في بداية العشرينات يلهثان نحو موظف متبلد، يطالبناه بأخذ تبرع دم منهن، وتبديله بفصيلة دم نادرة لفتاه تنزف منذ ما يقرب من الساعة إثر تعرضها لحادث مفاجئ. ببرود وعدم اكتراث، يخبرنا بأن الفصيلة المطلوبة غير موجودة «مفيش دم»، إذا أردتا التبرع، فعودا إلي بعد يومان من التاسعة صباحاً إلي الثانية ظهراً.

آخر يخبرنا باستحالة أن نجد الفصيلة المطلوبة لأن الفصائل السالبة نادرة، تأتي في التاسعة صباحاُ وتسحب في التاسعة صباحأ!

«روحوا مستشفي الشبراويصي أو الزراعيين يمكن تلاقوا هنا» ببرود أكثر يقولها، ونبرة صوته لا تخلو من اليأس ليس من إيجاد الفصيلة فقط، بل من إنقاذ الفتاة أصلاً!

ربما روتين حياتهم اليومي بين الأوجاع وصرخات المرضي أصابهم بالتبلد، انظر إليه بغيط وأحاول السيطرة على نفسي، كي لا يدفعني بروده لصفعه على وجهه، من أين يأتي العاملون في بنوك الدم وغرف الطوارئ بوجوههم البلاستيكية وأعصابهم المثلجة وهم يخبرونا بكل برود أن إنقاذ حياة شخص نحب مستحيلة، لأنهم عاجزون وفاشلون يعملون في منظومة صحة عاجزة وفاشلة تتبع دولة قاتلة وفاشلة!

«ليه نتبرع بالدم كل شوية طالما لما بنحتاجه مش بنلاقيه؟» تسأل صديقتي محاولة كسر صمت الليل الثقيل، في الوقت الذي نحاول الاتصال بصديقتنا الآخرى في المستشفي ليخبرني صوتها بانهيار تام أنها ماتت.

من الذي أدار العالم من حولي.. لماذا هبت الآن إلي عقلي ذكرياتي السابقة في مستشفيات وطننا المحروس، وبنوك دمه الخالية من الدماء دوماً، كم من المرضي يموتون يومياً، كم من أهاليهم وأصدقائهم قابلوا ذاك الموظف البارد المتبلد، كم أم وكم أخت وكم أخ وكم أب وكم صديق أصابهم الدوار وانهاروا تماماً في ذلك المكان، تفاصيل نسمعها يومياً، ونتأثر بها لكن لا نحاول أن نبذل محاولات جدية لتغييرها إلا إذا أصابت شخص نعرف أو عزيز علينا.

نفس اليوم من العام الماضي، أمام بنك الدم الرئيس لمستشفي معهد ناصر، أم ثكلي تتوسل إلي طبيبة شابة ملامحها بلاستيكية متبلدة، لا تفرق عن الموظف الذي قابلناه بالأمس كثيراً، كي تعطيها أكياس دم من فصيلة نادرة لتنقذ طفلها الذي ينزف منذ الصباح لأن سيارة صدمته.

"مفيش دم" بحسم وبرود بالغ تقولها الطبيبة، غير مكترثة بحياة الطفل التي ربما تنتهي بين طرفة عين وانتباهها، ثم أتبعتها بقسم أن الفصيلة التي تبحث لا تتواجد في ثلاجات البنك منذ عدة أيام، لتنصرف بعدها الأم وصوت بكاؤها يهز جدران المستشفي.

للحظ كانت الم تبحث عن نفس الفصيلة التي كنا نبحث عنها ليجري أبي جراحة دقيقة في القلب، أعادت الطبيبة كلمتها علينا "مفيش دم"، تبرعنا بعدد كبير من أكياس الدم في المستشفي في مقابل أن توفر لنا الدم من الفصيلة التي نحتاجها وقت الجراحة، ماذا تعني مفيش دم؟؟

مشاجرة مع الطبيبة، ثم مشاجرة مع نائب رئيس المستشفي تنتهي بتدخل بعض الأقارب "المهمين" لإنهاء المشكلة.

تليفون الطبيبة "الكاذبة" يرن، ليأمرها مديرها بأن توفر أكياس اللازمة للجراجة من الفصيلة المطلوبة، تنظر لنا بنظرة تمتزج بين القرف والهزيمة ثم توقع على إقرار توافر أكياس الدم داخل البنك.

أبادلها نظرتها بمزيد من القرف وأنا اقول لها "الأم اللى كانت هنا لو حصل لابنها حاجة دمه هيبقى فى رقبتك".

ما الذي أعاد كل التفاصيل إلي ذهني الآن؟ احتاج لشخص يحضنني، صدمات الموت قاتلة لو تلقيتها وحدك.. التفت حول، صديقتي تواصل ثرثرتها حول فشل وزارة الصحة في مصر، والليل يزداد سواداً وبرداً.

ذهب الذين نحبهم.. عودوا إلي المنزل.. لن يفيقوا لا داعي للبقاء إلي جوار أجسادهم التي أنهكها النزيف، لن يشعروا بأيديكم التي تتشبث بأيديهم المثلجة!

في الطريق إلي المنزل.. مشاهد عدة تمر أمام عيني.. فقراء أتوا من قراهم البعيدة، بفترشون الرصيف أمام مستشفي الشاطبي في الإسكندرية، في انتظار نقطة دماء.. يطول الانتظار.

يموت أولادهم.. ربما يموتون هم ذاتهم من البرد والذل ووجع العجز أمام صرخات من يحبون.

ينتظروا وينتظروا ولا تأتي الدماء.. دائماً لا تأتي الدماء، ففي الأوطان التي تزهق فيها أرواح البشر في الشوارع وعلى الطرقات لن يكلف مسئوليها أنفسهم عناء توفير دماء تنقذ أرواح بشر آخرين غير الذين يقتلونهم بدم بارد يومياً، أو يقتلون أمامهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء محاسبة القاتل.

ماذا تعني لهم تلك الفتاة، مجرد رقم يضاف في كشف ضحايا حوادث الطرق، ماذا يعني لهم من أصبحوا يموتون بشكل شبه يومي، مجرد أرقام في كشف ضحايا العنف السياسي، أو ربما أرقام بلطجية تفتخر الدولة بقتلهم لأنهم يعرقلون مسيرتها في طريق الديمقراطية المزعوم الذي تحول إلي بركة من دماء الشعب يزيدها من يقدر على اغتصاب كرسي الحكم ليسبح فيها بحرية أكثر، دون أن يتوقفوا للحظة عن سفك الدماء ليدركوا أن بنوك الدم التي تنقذ حياة البشر مفيهاش دم، وأن مرضي يموتون يومياً بسبب ذلك، وينهار على أعتابها أهاليهم وأصدقاؤهم.

ربما في تلك اللحظة يدركوا أن من الدماء التي يسفكوها هي التي تسقط أنظمتهم الفاشلة العاجزة، والدماء التي يعجزون عن توفيرها أيضاً.

الأربعاء، 5 يونيو 2013

فى مولد السيدة زينب: طفل يحلم بالبهجة وآخر يصنعها بحثا عن لقمة العيش



سلمى خطاب

ابتهالات دينية يأتى صوتها من كل صوب.. أطفال يتقافزون فرحا.. من يصل إلى مراجيح المولد أولاً، ولم تخف الابتسامة من على وجهه أيضاً ولا الفرحة ببهجة المولد، على الرغم من أنه لا يمسك بيد أمه، ولا يركض ويمرح مع إخوته، بل على العكس هو من ينظم الدور فى اللعب، يحرك الألعاب ويدفعها لتعمل، يأخذ النقود من أيدى الأطفال وأمهاتهم ليضعها فى يد "أم عمرو" صاحبة الألعاب؛ ليحصل منها بعد ذلك على «يومية 5 جنيه».

نجيب محفوظ حين رأى طفلاً يبيع الحلوى فى إشارة مرور؛ بكى ثم كتب "وأحلام الأطفال فى قطعة حلوى، وهذا طفل يبيع حلمه"، فما حال طفل لم يتجاوز عمره الـ12 عاما، يعمل ليلعب رفقاؤه الصغار؟!

"هربت من أبويا فى الفيوم عشان كان بيضربنى" بهذه الكلمات بدأ الطفل أحمد عبد الله خميس الذى ترك منزل عائلته فى الفيوم منذ أشهر هرباً من ضرب أبيه المبرح، وخاصة بعدما صدمت سيارة أخاه الكبير وتوفى، وألقى الحمل على كتفه الصغير ليدبر الأمر فى إطعام أمه وأخواته الصغار.

ملابسه الرثة وقوامه النحيل وقامته القصيرة وانشغاله الدائم بتنظيم اللعب بين الأطفال، لم يمنع جميع من ينتظرون دوره فى اللعب من مداعبته والحديث معه، فيداعب هذا قائلاً "أنت كبير هزقك بـ2 جنيه"، ويطلب من آخر أن يلوح له وهو راحل أمام "أم عمرو" صاحبة المراجيح حتى تقتنع أنه قادر على إمتاع الأطفال فى اللعب وتدعه يعمل معها لفترة أطول، أو تزيد له من يوميته والبقشيش الذى يضعه فى يدها فور أن يحصل عليه لتحتفظ له به، على وعد أن تعيده له حين ينهى عمله.

"اشتغلت فى السياحة أول ما جيت من الفيوم كنت بصور السياح، وأول ما السياحة انضربت بقيت "ألقط" رزقى عشان أعرف أرجع أخلص أمى وأخواتى من أبويا اللى بيضربهم"، وذلك هو حلم أحمد الصغير؛ الذى يعمل طوال ساعات النهار، مقابل 5 جنيهات يومية وبطانية يفرشها على الرصيف لينام عليها ليلا.




 

نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 5 يونيو 2013.

السبت، 1 يونيو 2013

«الدرب الأحمر».. حين تكون البيوت أهم من ساكنيها

الدرب الأحمر... تصوير محمود العراقي


سلمى خطاب

ربما كٌتب على أهالي تلك المنطقة أن يعيشوا على هامش الحياة، فبعد أن حملت «الدرب الأحمر» اسم أول حي شعبي شهدته القاهرة الفاطمية؛ سواء الأولى التي شيدها القائئد جوهر الصقلي أو الثانية التي وسعها أمير الجيوش بدر الجمالي.

فالمنطقة التي على مر تاريخها لم يسكنها سوي الصناع والحرفيين والتجار، لم تسلم هي الأخرى من التهميش والإهمال والعشوائية، التي تطول كل شيء شهد على تاريخ هذه البلاد.

ويروي الكاتب حمدي أبو خليل، في كتابه «القاهرة شوارع وحكايات»، أن القاهرة في العهد الفاطمي كانت أشبه بقصر فخم غامض يخفي خلف أسواره الخلفاء الفاطميين عن رعاياهم؛ وكان «الدرب الأحمر» أشبه بضاحية شعبية تعمل ليل نهار على خدمة المتخفي في القصر الجمهوري، فسكن الحي الوزراء والأمراء والخدم والجواري والصناع، وفيه الأسواق ودوره كانت مطبخًا للسياسية الفاطمية.

البيوت التي وصفها أبو خليل، بأنها كانت مطبخًا السياسية الفاطمية، تهدم بعضها الآن وتهالك البعض الآخر وطاله الإهمال والعشوائية، إلا أنها على الرغم من تهالكها، لازالت تحتفظ برونق الماضي الذي تملأ رائحة عبقه المنطقة كلها التي تمتد من نهاية شارع محمد على عند البواكي القديمة مرورًا بنهاية شارع سوق السلاح ثم المججر ومنطقة باب الوزير وعلى امتدادها الدراسة ليضم على أطرافه الجانب الأيمن من شارع الأزهر ثم يستدير عبر شارع بورسعيد ليستكمل «الدرب الأحمر» حدوده في شارع راتب باشا وميدان الحلمية وشارع على إبراهيم قبل أن يصل إلي نقطة نهايته أو بدايته في شارع محمد علي.

"البوابة أثرية عشان السياح كانت بتصورها"، قالها أحد قاطني شارع باب الوزير في الدرب الأحمر، معلقاً على هدم أحد البوابات في الشارع، ليرد عليه آخر سريعًا "لا مش آثار السياح بيصوروا أي حاجة"، ليعود رفعت أحمد سليمان إلى الحديث، الذي قال "إحنا مولدين في المنطقة دي ونعرف طول عمرنا أن البوابة أثرية، وأن البيت دة كان بيت مفتى الديار أيام الملك".

حسم الحديث صوته الغاضب، الذي علا قائلا "آثار ولا مش آثار إحنا محدش بيسأل فينا إلا لو حاجة من الآثار وقعت، وكأن الآثار أهم من البنى آدمين اللي هنا" قالها عم محمد الذي يعمل في إحدى ورش صناعة الأحذية في الدرب الأحمر التي اندلعت النار في إحدي عقاراتها التي تحوي 12 ورشة لصناعة الأحذية، وأسفر الحريق عن تفحم شاب وإصابة آخرين بحروق، ثم واصل عم محمد الغاضب "البيوت اللي بقى لها سنين مترممتش دي لو اتهدت على دماغنا مش هيزعلوا علينا، هيزعلوا عليها عشان هي دي آثار"

بحكمة تطل من عينيه وصوت هاديء، أنهى إسماعيل عبد السلام الذي يعمل في بيع الفول لأهالي «الدرب الأحمر» منذ 50 عامًا، قائلاً: "إحنا لا محافظة بتسأل فينا ولا حكومة مفيش غير الإعلام اللى بيجي يصور لما بوابة ولا بيت أثري يتهد ولا ينهار".

وعلى الرغم من أنه يبيع سلعة يأكلها الناس يوميا ًفي تلك المنطقة الشعبية، إلا أنه أيضًا يشتكي من ضيق الحال، لأن الناس لم يعد لديها "نفس للأكل"، مثلما يقول عم إسماعيل؛ ليصرخ بعدها مضيفًا "كل الناس اللى بتشتغل في المنطقة هنا بتشتغل باليومية؛ وبيوتنا تخربت من بعد الثورة، واتخربت أكتر من بعد ما مرسي مسك، عشان كدة أغلب الأهالي هنا مضوا على الورق بتاع تمرد قبل ما تخرب أكتر على إيد مرسي". 


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 31 مايو 2013 

الأحد، 26 مايو 2013

«اللوليتا».. جيلاتى الغلابة يصنعه الأكثر فقرا


سلمى خطاب

50 قرشا أو أقل هو ثمن حلوى «اللوليتا» المثلجة، التى يقبل عليها الأطفال فى الصيف بشدة، خاصة فى المناطق الفقيرة والعشوائية، ولما لا؟! وهى مرطب طبيعى قليل الثمن فى متناول أيديهم التى لا تملك إلا القليل، مياه مثلجة مضاف إليها ألوان صناعية.

«جيلاتى» الغلابة، يصنعه من هم أكثر فقرا، ففى ظروف عمل موسمية مع أجور متدنية للغاية، وظروف حياة صعبة وبائسة، تصنع العاملات فى أحد مصانع «اللوليتا» بقرية «الصف» محافظة الجيزة، لتدخل البهجة وترطب حر الصيف على قلوب فقراء، ربما يعملون هم أيضا فى أعمال غير مستقرة وبأجور ضعيفة وظروف حياة أشد صعوبة.

أم محمود، التى تعمل بالمصنع منذ 8 سنوات بشكل غير دائم، ذلك المصنع الذى لا يعمل سوى 5 أشهر فى العام، وهى أشهر الصيف فقط، ومع قلة الأجر الذى تجنيه من عملها بالمصنع، 20 جنيها، تفتح بهم البيت وتصرف على أسرة مكونة من 3 أولاد فى مراحل تعليمية مختلفة؛ أكبرهم محمود فى الصف الثالث الثانوى، وزوج "بيشتغل يوم ويقضى 10 فى البيت"، مثلما تقول أم محمود.

«أدى الله وأدى حكمته»، كلمات عبرت بها عن رضها بحكمة الله رغم فقرها وبؤسها، وعلى الرغم من معاناتها فى تربية أولادها والإنفاق عليهم وعلى زوجها الذى "يعمل على باب الله" بتعبيرها، ترتسم ابتسامة رضا تنير وجهها الشاحب والمرهق من ساعات العمل الطويلة فى المصنع، ثم مواصلة أعمالها المنزلية فى البيت.

الفقر والعمل فى ظروف صعبة وغير مستقرة، بدون أى نوع من التأمينات الصحية أو الاجتماعية لا يفرق بين العاملات فى المصنع، وإن كان الفرق فى التعايش مع تلك الظروف أو درجة تلقيها، فعلى العكس من أم محمود الباسمة المتعايشة برضا مع واقعها، تستقبل أم وليد واقع العمل فى ذلك المصنع النائى بدموع مغلوبة على أمرها، فهى المرأة التى عاشت سنوات عمرها الـ61 فى بيتها لم تخرج إلا العمل، إلا بعد أن ازدادت الخلافات بينها وبين زوجها، وهجر أولادها لها؛ ما دفعها للنزول إلى ساحة العمل و"البهدلة" على حد وصفها.

«عشت عمرى كله فى بيتى، مخرجتش منه إلا لما إهانات جوزى زادت واتمدت إيديه عليا بعد ما ربيت له أولاده وكبرتهم" بدموع حبيسة وصوت مخنوق، قالتها أم وليد وهى تصطنع الانشغال بعملها الذى ينحصر فى تعبئة أكياس «اللوليتا» ورصها داخل الصناديق تمهيداً لبيعها، وهو العمل الذى تتقاضى عنه 20 جنيها يومياً مثل رفيقتها أم محمود، لكنها تتدخر من ذلك المبلغ ما يكفى لشراء علاج للضغط والسكر التى أصيبت بهم مؤخرا، ويتكلف 120 جنيها شهريا. 


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 25 مايو 2013 

الجمعة، 24 مايو 2013



مى زيادى ورامز صبحى وسلمى خطاب

"إنتوا جايين فعلاً عشان تشوفوا مشاكلنا وتجيبوا حقوقنا"، بهذه الكلمات استقبلتنا فتاة لم تتجاوز الـ12 عاما، عقب خروجها من مصنع لـ«الألمونيوم» بقرية عرب أبو ساعد، مركز الصف محافظة الجيزة، بعد أن أنتهت«ورديتها»، التى تبدأ فى السادسة صباحا وتنتهى فى الرابعة عصراً، حسبما أبلغتنا، رافضة ذكر اسمها خوفاً من «بطش» صاحب المصنع.

شعاع الأمل الخارج من عيناها يسبق حديثها إلينا عن ظروف عملها القاسية، ورغبتها فى تحسين أجرها المتدنى البالغ «450 جنيها» شهرياً، الذى اختفى بمجرد رؤية صاحب المصنع، ليجدها تتحدث إلينا "محررو الشروق"، لينهرها صارخا: "امشى يا بت من هنا وارجعى على بيتك"، فيمتلكها الذعر، ويعلو ملامح وجهها البرىء، وعيناها الصافتين، وتمضى دون أن تنطق بكلمة أخرى.

ملامحه على النقيض، صاحب المصنع، وجهه عابس يبدو عليه ملامح التعالى والقسوة، بدين الجسد طويل القامة، غير مرحب بتواجدنا وحديثنا مع الفتيات، مختتما حديثة المقتضب إلينا بالقول "أغلب البنات اللى عندى بنات صغيرين عشان الشباب مش عايزة تشتغل"، وطالبنا بالانصراف من أمام المصنع وعدم التحدث إلى إى من العاملات.

لم يمنع ذلك رغبتنا فى التعرف على مشاكلهم، وفى أحد الشوارع الجانبية للمصنع، انتظرنا خروج العاملات من المصنع، واستوقفنا مجموعة من العاملات، وبدأت إحدى الفتيات،16 عاما، تتحدث إلينا قائلة: "مش هقدر أقولك اسمى بس بصوا إيدى مشققة ازاى، وانا دلوقتى عندى 16 سنة وبشتغل فى المصنع من 4 سنين وفى الـ4 سنين دول مرتبى مزادش ولا مليم، هما هما الـ450 جنيه، وبنشتغل بمطارق وبندق على الألمونيوم".

وقبل أن تستطرد أكثر فى الحديث وينتقل خيط الحديث إلى زميلتها، فؤجئنا بسيارة صاحب المصنع تطاردنا من جديد وبداخلها أربع أشخاص يقطعون علينا الطريق، ويبدأون فى التعدى علينا بدعوى عدم الالتزام بتعليمات صاحب المصنع!؛ ما أدى إلى تجمهر أهالى القرية حولنا وإنقذنا من إيدهم. 


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 22 مايو 2013 

«على ماضى» أقدم عطارى الإسكندرية.. ومشوار 70 عاما علاج بالأعشاب

عطارة على ماضي- تصوير: أميرة مرتضي 


سلمى خطاب

سريعا ستنفذ إلى أنفك رائحة الأعشاب والتوابل المختلفة وأنت تتجول فى الأزقة الضيقة لحارة العطارين بالإسكندرية، التى تضم عددا كبيرا من الدكاكين القديمة المليئة بالأعشاب البرية والزيوت العطرية والتوابل والبهارات، ومن بين تلك الدكاكين القديمة دكان، على ماضى، الذى ستقع عينك عليه، ويعود تاريخه إلى عام 1906، حين قرر الحاج «على ماضي» أن يفتح دكانا للعطارة، ليصحب بعد 107 أعوام أقدم وأشهر دكان للعطارة فى الإسكندرية.

على كرسى جلدى قديم يجلس الحاج عبد السلام على ماضى، والذى ورث العطارة عن والده، ويعمل بها منذ عام 1942، منذ أن كان عمره 11 عاما، يساعده والده وأخيه الأكبر ويتعلم منهم، يمر عليه الناس الآن يلقون التحية ويسألونه عن أوجاعهم، فيطيبها بخلطات الأعشاب والزيوت، بخبرته التى اكتسبها على مدار 70 عاما يعمل فى العطارة، ويقول "قديماً كان العطار هو صيدلى المنطقة يصف الأدوية ويعالج المرضى، ولا يزال إلى الآن الناس يأتون طلباً للعلاج بالعطارة والأعشاب الطبيعية، فالطب مازال عاجزاً عن علاج الكثير من الأمراض، وتستطيع الأعشاب مداواتها". 


عبد السلام ماضي- تصوير: أميرة مرتضي


«ماضى» الذى يستغرب التغيير الذى طرأ على زبائنه على مر العصور والحقب التاريخية المختلفة التى عاشها، بدءاً من تغيرت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، إلى تغير أسعار العطارة، ويحكى ماضى عن الزمن القديم، فيقول "زمان التوابل العادية اللى الوحد كان يحتاجها لبيته للطبخ كنت تشترى اللى تحتاجه لسنة كاملة بجنيه واحد بس، أما الآن فارتفعت الأسعار لدرجة أن الـ20 جنيها لا تكفى لشراء التوابل لشهر واحد"، ويرجع ذلك السبب إلى ارتفاع أسعار الأعشاب والتوابل المستوردة من منبعها.

وبالرغم من حزنه لأن أغلب التوابل صارت تستورد من الخارج الآن، إلا أنه يوضح أن مصر لازالت تصدر العديد من التوابل مثل الكمون والكسبرة وحبة البركة، كما أن بعض الأعشاب العلاجية تأتى مخصوصاً من الصحراء مثل الشيح والسلامكة التى تستخدم كمسكن وعلاج دورى للعديد من الأوجاع.

"طول ما فى أمراض وفى عدم استجابة من الدكاترة الأعشاب شغالة" بهذه الكلمات ختم ماضى حديثه لـ"الشروق" لحظة دخول إحدى السيدات المسنات عليه تطلب منه أن يحضر لها وصفة تتكون من بعض الأعشاب وحبة البركة لعلاج ابنتها التى تعانى من آلام فى الكبد.


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 22 مايوم 2013

الخميس، 9 مايو 2013

الإسكندرية مدينة تتحول من العالمية إلي العشوائية


لم يتوقف الإهمال في مدينة الإسكندرية على مشاهد القمامة التي تكتظ بها الشوارع وباتت منظرها مألوفاً في أرقي وأشهر أحياء المدينة، ولا على الآلاف الأبنية المخالفة التي تنذر بكارثة حقيقة ولا تحرك حقيقي تجاه وقفها، بل امتد الأمر ليشمل عمليات هدم عشوائية أو تخريب متعمد للعديد من مباني المدينة التراثية.

لم يكد السكندريون يفيقون من صدمة قرار رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري رقم 86 لسنة 2012، و الصادر في 21/1/2012 بمحو فيلا شيكوريل من قائمة المباني التراثية بالمدينة والتي يرجع تاريخ بناؤها إلي العشرينات من القرن الماضي، حتى فوجئوا الجميع بإخلاء مبني النادي اليوناني تمهيداً لهدمه والذي يقع في شارع متفرع من شارع اللاجتيه بمنطقة الإبراهيمية، ويعود تاريخ بناؤه إلي عام 1906 وكان مقره شارع الأمير إبراهيم يحيي ولكن هذا المقر تهدم إبان الحرب العالمية الثالثة وانتقل النادي النادي إلي مقره الحالي الذي سيهدم خلال أيام.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وجه الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء ضربة جديدة إلي التراث السكندري حيث أصدر القرار رقم 351 لعام 2012 آخر بمحو فيلا النقيب التي تقع في 239 شارع جمال عبد الناصر من قائمة التراث.

وفيلا النقيب تقتنها عائلة الدكتور النقيب باشا (مدير مستشفى المواساه والطبيب الخاص بالملك فاروق) وكانت تقيم فيه الملكة ناريمان بعد زواجها من الدكتور ادهم النقيب.

مش هنسيب إسكندرية تتهد:

تحت هذا الشعار انطلق مئات من النشطاء وأستاذة وطلاب العمارة والفنون الجميلة والهندسة في حملة تهدف إلي حماية تراث الإسكندرية، حيث نظموا العديد من الوقفات أمام النادي اليوناني وأمام فيلا شيكوريل، أوضحوا في بيان لهم خطة عملهم لوقف ما أسموه بعمليات "الذبح للثرات السكندري" حيث ذكر البيان أن الحملة بصدد البدء في حملة للرسم بالجرافيتي والملصقات لتنبيه أهالي المدينة بخطر الطمس المعرضة له، ولكسب التأييد الشعبي المناسب للقضية، وأيضاً العمل على إيجاد الحلول المناسبة لملاك هذه الأراضي والمباني التراثية للحفاظ عليها وعدم تعريضها للابتزاز من قبل المقاولين ومافيا هدم المباني التراثية وتحويلها لملكية عامة تستغل لخدمة المواطنين.

من جانبه طالب المهندس شريف فرج مدرس العمارة بكلية الفنون الجميلة بتحويل تلك المباني إلي مراكز ثقافية أو مكتبات عامة، كما اقترح أيضا تحويلها إلي فنادق صغيرة مثلما يحدث في الدول الأوربية أو تأجيرها إلي البنوك والمؤسسات التي تقدم خدمات عامة، مؤكداً على أن أفضل طريقة للحفاظ على هذه المباني هي تشغليها، أما تركها خالية وتعرضها للعوامل الجوية دون الاهتمام بها وإجراء عمليات الصيانة اللازمة يعرضها للتخريب والهدم.

يذكر أن قوائم المباني التراثية في الإسكندرية تحتوى على ما يزيد عن خمسة الآلاف منشأة ما بين مباني ذات طابع معماري مميز مثل فيلا شيكوريل، ومباني مرتبطة بالتاريخ القومي، ومباني مرتبطة بشخصية قومية مثب منزل سيد درويش بمنطقة كوم الدكة، ومباني آخري تمثل حقب تاريخية مثل مبنى المحافظة الذي اخترق وتهدم بعد خلال أحداث ثورة 25يناير، وأيضاً هناك مباني تمثل مزارات سياحية.


نُشر في جريدة الأهالي أغسطس 2012

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

كنيسة قصر الدوبارة... «بيت المصابين» في كل اشتباكات


 سلمى خطاب
في يناير 1940، أسس مجمع الدلتا الإنجيلي كنيسة جديدة في القاهرة على أن تجتمع هذه الكنيسة في القاعة المملوكة لدار تحرير إرسالية النيل في وسط القاهرة، وتزايد الحضور في هذه الكنيسة الوليدة للدرجة التي أصبحت الحاجة لمبنى كبير حاجة ملحة، وفي ديسمبر 1941 تم شراء قصر في ميدان التحرير بهدف هدمه وبناء الكنيسة الجديدة مكانه.

وفي 11 مارس سنة 1944 وقع الملك فاروق على التصريح الخاص ببناء الكنيسة، ووضع حجر الأساس في ديسمبر 1947 لكنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية واكتمل البناء سنة 1950.

واستمرت الكنيسة الإنجيلية على مدار سنوات في تأدية دورها الكنسي، إلي أن قامت ثورة 25 يناير، وما تبعها من أحداث دعت الكنيسة التي تقع في ميدان التحرير إلي فتح مستشفي ميداني يستقبل المصابين فى الاشتباكات، بدءاً من أحداث محمد محمود الأولي وإلي الآن.

تقول إيفا بطرس المسئول عن المستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة أن المستشفي بدأت عملها مع أحداث محمد محمود الأولي، ولا تعمل إلا في أوقات الاشتباكات فقط، وأشارت إلي أن المستشفي تملك فريق خاص من الأطباء والصيادلة الذين يتم استدعائهم حين تحتاجهم المستشفي، كما أن المستشفي تعمل على توفير كل الأدوية والمستلزمات الطبية التي يحتاجها، ولا نطلب من المصابين أن يحضروا أي أدوية أو مستلزمات طبية،كما أن الكنيسة لا تقبل أي تبرعات من أي نوع فيما يخص المسشتفي الميداني، ولفتت إلي أن هذا النظام تم وضعه بعد حادثة السيدة التي أعطت الشباب في الميدان طعام مسمسم، وأصيب العشرات حينها، بالتسمم، ومنذ ذلك الوقت ونحن لا نقبل بأي أدوية أو محاليل أو طعام أو خيوط أو أدوات جراحة تأتي إلينا، وحدث كثيراً أن أجد أشخاص يأتون إلي المستشفي ويعرضون تقديم تبرعات ومساعدات لكن تلك الأشياء لا تقبل لأننا لا نثق في مصدرها.

وأوضحت أن في حال نقص دواء معين تكون المستشفي في حاجة إليه يتم التواصل مباشرة مع أطباء وصيادلة موثوقين، يقومون بتوفير الأدوية والأدوات الشحيحة في الحال، ومن المستحيل أن تقبل مستشفي قصر الدوبارة تلك المساعدات التي تأتي من مجهولي الهوية.
وتروى نادية محمد (طالبة في كلية الإعلام) قصتها مع المستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة، حيث تقول: بدأت معرفتى بقصر الدوبارة في أحداث محمد محمود الأولي حين فتحت المستشفى أبوابها، وقبلت الحالات التي لم تستطع المستشفيات الميدانية علاجها، منهم حالات مصابة بإصابات خطيرة بالخرطوش، وحالات لأشخاص كانوا فاقدين الوعي بكل كامل، لم ترفض قصر الدوبارة أي حالة، والمكان مجهز بشكل كبير لاستقبال المصابين.
إضافة إلي أن المستشفي لا تطلب مننا أن نأتي بالأدوية والمستلزمات الطبية مثلما تفعل المستشفيات الأخرى.
وتضيف دينا ولعان (الباحثة القانونية) والناشطة في كنيسة قصر الدوبارة، أن المسشتفي الميداني فى الكنيسة كان دائم التعاون مع المستشفي الميداني في مسجد عمر مكرم، فكنا نلجأ لهم حين يحدث نقص في الأطباء أو الأدوية، كما أن فريق العمل داخل المستشفي يعمل بنظام دقيق للغاية لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين أو نقلهم إلي مستشفيات مجهزة بإمكانيات أعلي في حين كانت الإصابة خطيرة.
وتتذكر نانسي فارس (21 عام) وقت أحداث محمد محمود الأولي قصتها مع مستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة، حيث تقول "كان لنا أصدقاء يصابون كنا ننقلهم على الفور إلي المستشفى، لم يكن الملفت فى حينها أن الكنيسة كانت تقبل أي مصاب لتعالجه دون أن تسأل عن هويته، لكن كان الشيء الجديد هو تدخل الكنيسة فى السياسية وهو أمر غريب على الكنيسة المصرية، حتى في أيام الجمع التي كان بها مليونيات من المعروف أن الكنيسة يكون بها اجتماع صباح كل يوم جمعة، فكان نصف المتطوعين يحضرون الاجتماع، والنصف الآخر يتظاهر في الميدان، وفي حال وقعت اشتباكات تفتح المستشفي الميداني ابوبها لكل المصابين".

نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 23 إبريل 2013 

الجمعة، 12 أبريل 2013

«هن».. وجوه مألوفة يشاركن في التظاهرات لحماية الشباب من الغاز والخرطوش


سلمي خطاب 

"أنا نازلة عشان أحمي ولادي... لما مش بنشارك بيضربوهم بالغاز والخرطوش"، بهذه الكلمات بدأت سعدية محمد (56 عاما) حديثها ل"الشروق".

فمنذ بدأ المطالبة برحيل الحكم العسكري، تداول النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي مزحة تقول "احنا الجيل اللى مش بيخاف يقف قدام الدبابات لكنه يخاف أن يقول لأهله إنه نازل المظاهرة"، وعانى الكثير من الشباب من تحفظ أهاليهم ومنعهم من المشاركة في الاحتجاجات والفعاليات السياسية المختلفة في الشارع خاصة، مع ظهور الطرف الثالث الذي دائما ما كان ينهي الاحتجاجات السلمية بأحداث عنف.

ثم تغير الوضع وباتت وجوه مألوفة تشبه وجوه أمهات الشباب الذين يشاركوا في المظاهرات في الظهور، خلال الاحتجاجات والتظاهرات المناهضة للنظام.

حيث توضح "سعدية محمد" والتي تعمل في هيئة البحوث الزراعية منذ عام 1996 ولم يتم تعيينها إلى الآن بسبب الفساد الإداري- بحسب ما قالت -"أنا لا أشارك في التظاهرات طلبا لدعم في مشكلتي، أنا أستطيع أن أخد حقي منهم، لكني أشارك دعما للأولاد والشباب الذين يتظاهرون لتحرر بلادنا".

وعلى الرغم من رفض أبنائها وخوفهم الدائم من مشاركتها في المظاهرات والفاعليات السياسية المختلفة، إلا أن سعدية تؤكد أنها دائما ما تسعى للمشاركة، لأنها تؤمن أن التغيير لن يحدث إلا من الشارع المصري والمواطنين العاديين الذين يعانون من تردي الأوضاع الاقتصادية وباتوا لا يقدرون على توفير أدنى احتياجاتهم المعيشية.

توافقها في الرأي نجاة سعيد (61 عاما)، والتي كانت كانت تعمل مدرسة لغة عربية، حيث تقول: "الأمور كلها تدهور على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهؤلاء الشباب لديهم كل الحق، ويجب أن نقدم لهم الدعم والمساندة".

أما حمدية محمد (49 عاما- ربة منزل) والتي وقفت إلى جوار ثلاث من ربات البيوت صديقاتها، في تظاهرة أمام القضاء العالي منذ يومين، حاملين لافتات كتب عليها "ارحل"، فتطالب الرئيس محمد مرسي بالتنحي مثل سابقه، وتقترح بعد رحيله أن تستلم المحمكة الدستورية العليا إدارة شئون البلاد، وتصدر إعلانا دستوريا مؤقتا، تجري بعده على الفور انتخابات نزيهة، يمنع من المشاركة فيها كل من أفسدوا الحياة السياسية في العقد الماضي، والإخوان الذين عملوا على استغلال المرحلة الانتقالية والاضطرابات التي تمر بها البلاد للوصول إلى مناصب في السلطة على حساب دماء الشباب وثورتهم "على حد قولها".

وتشاركها في الحديث صديقتها فاطمة سليمان (56 عاما- ربة منزل) والتي تعرفت عليها من خلال مظاهرة سابقة للاحتجاج على سياسات جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، مؤكدة أن الأمور على المستوى الاقتصادي تسير للأسوأ، وصار واجبا على كل المصريين أن ينزلوا لإسقاط حكم مرسي الذي لا يختلف كثيرا عن حكم مبارك، بل على العكس يعمل على تدمير البلاد وإثارة الفتن بداخله.

وفي السياق ذاته، لم يكن أمام هادية كامل (58 عاما- ربة منزل) التي اتخذ ابناها الاثنان قرارا بالهجرة خارج البلاد، خيار سوى أن تشارك في تلك المظاهرات المناهضة للنظام، على أمل أن يسقط ذلك النظام ويحدث تغيير للأفضل يدفع أبناءها للتراجع عن قرار الهجرة.

حيث أوضحت، أن ابنيها اللذين تشاركا في شركة للسياحة منذ 7 أعوام، بدأت شركتهما في الانهيار، وأصبحا مهددين بالإفلاس، مما دفعهما إلى تصفيتها واتخاذ قرار بالهجرة إلى خارج البلاد.

نشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 9 إبريل 2012

الأربعاء، 3 أبريل 2013

من الرهبنة إلي الصوفية.. المؤتلف والمختلف بين الصوفيين والسلف


الصورة لراقص مولوية... وهي إحدي الرقصات الصوفية 


رؤية السلف للصوفية

ذكرت بعض المنتديات السلفية (منتدى حراس العقيدة) أن المنهج الصوفى يخالف منهج السلف ويبتعد كثيرا عن الكتاب والسنة‏.‏ فيذكر المنتدى أن الصوفيين قد بنوا دينهم وعبادتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها، وهي تتلخص في قصرهم العبادة على المحبة، وإهمال الجوانب الأخرى، كجانب الخوف والرجاء،‏ ويقولون أن العبادة ليست مقصورة على المحبة كما يزعمون، بل لها جوانب وأنواع كثيرة غير المحبة كالخوف والرجاء والذل والخضوع والدعاء إلى غير ذلك، ولهذا يقول بعض السلف‏:‏ من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد‏.‏

ويضيف المنتدي أن الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، والأذكار والأوراد المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه، بدلا من الاستدلال بالكتاب والسنة، هذا ما ينبني عليه دين الصوفية‏، كما أن من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم فيتقيدون بها، ويتعبدون بتلاوتها، وربما يفضلون تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة‏.‏

وتأخذ بعض آراء الباحثين والعامة فى هذا المنتدي على الصوفية الغلو في الأولياء والشيوخ والتى يراها السلف مخالفة لعقيدة التوحيد التى يرون أنها موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه قال الله تعالى:‏ «‏إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون‏»‏‏.‏ ‏[‏المائدة، الآية‏:‏ 55‏]‏‏.‏ وقال تعالى:‏ «‏يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء‏»‏‏.‏ ‏[‏الممتحنة، الآية‏:‏ 1‏]‏‏.‏

كما يرى زوار المنتدي أن من دين الصوفية "الباطل" –على حد وصفهم- تقربهم إلى الله بالغناء والرقص، وضرب الدفوف والتصفيق‏.‏ ويعتبرون هذا عبادة لله‏، وأيضاً الأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف.

وذكر الباحث رمضان عبد الرحمن فى مقال له بعنوان "من الصوفية إلي الرهبنة النصرانية" نشر فى عام 2008 على موقع لواء الشريعة، أن الصوفية ابتعدوا كل البعد عن بساطة عقيدة الإسلام وذهبوا بأرجلهم وإرادتهم ورغبتهم إلى مشابهة رهبانية النصارى وبدعها، التي قال الله تعالى فيها: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ}[الحديد27].

ويستعرض عبد الرحمن مظاهر التشابه بين الصوفية والرهبنة، من خلال الشكل المتمثل فى التزام الاثنين بلبس الصوف، وأن الرهبان النصاري قد اتخذوا لبس الصوف زي خاص بهم، وهكذا لفظ الصوفية المشتق من لبس الصوف، الذي يعتبره رمزاً للمسيحية.

كما يعرض التشابه فى اتخاذ الصوفية الخانقاوات والزوايا للتعبد وانعزالهم عن الدنيا، مما اعبره تشبه تام بأديرة الرهبان ذات الأسوار العالية البعيدة عن العمران.

ويضيف عبد الرحمن فى مقالته أن بعض مؤرخي النصارى يذكرون أن النصرانية استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابًا وعادات كثيرة عن طريق زمرة المتقشفين وفرق الرهبان المتجولين, ولاسيما الجماعات السورية المتجولة في كل مكان ممن كانوا على الأغلب من فرق النصارى النسطوريين, في حين أن تأثير كنائس المسيحية في المسلمين كان في نطاق محدود جدًا.

كما ذكرت بعض المنتديات والمواقع السلفية أن التصوف أسوأ كيد ابتدعه الشيطان ليسخِّرَ معه عبادَ الله في حربه لله ولرسله، إنه قناع المجوس حيث يتراءى بأنه رباني، بل إنّ التصوف قناع لكل عدو أراد أن يحرف الناس عن الدين الحق!

وعلى الجانب الآخر يذكر يوسف زيدان أستاذ الفلسفة الإسلامية والدراسات الصوفية، فى دراسة له بعنوان " الرؤية الصوفية للعالم.. فى عموم النزعة التصوفية" بأن التصوف نزعةٌ إنسانيةٌ عامة، و"التصوف الإسلامى" هو أحد أشكالها وتجلياتها الكثيرة، التى لا تكاد تخلو منها ثقافةٌ إنسانية

ويشير زيدان إلي نقتطان أساسيتان فى بداية الحديث عن التصوف، النقطة الأولى منهما، أن (التصوف) يختلف عن تلك الاحتفالات الشعبية المسماة "الموالد" وإن كان كلاهما قد ارتبط بالآخر فى أذهان معاصرينا، فصرنا نقول عن هذه المظاهر الشعبية (الفلكلورية) إنها احتفالات صوفية

والنقطةُ الأخرى، هى أن لفظ (التصوف) ذاته، هو من الألفاظ المربكة، مترهلة الدلالة. حتى إن بعض المؤرِّخين اعتبر الكلمة كأنها غير عربية أصلاً، وإنما يونانية مشتقة من كلمة "صوفيا" التى تعنى الحكمة، ومنها أيضاً جاءت كلمة "الفلسفة" وبعض المؤرِّخين أرجع دلالة الكلمة إلى "لبس الصوف" الذى تميَّز به أوائلُ الصوفية، كعلامة على التقشف، لأن الصوف آنذاك – بسبب وفرة الغنم- لم يكن غالى الثمن مثلما هو الآن، كما أن بعض المفكرين قالوا إن التصوف اسمٌ غير مشتقٍ من شىء، إلا من الصفاء الذى يقترن بالمسيرة الروحية لهؤلاء الذين عرفوا أن الدين له أسرارٌ عميقةُ المعانى، تتجاوز العبادات الظاهرة والتكاليف الشرعية المعروفة التى تمثل ظاهر الشريعة بينما يمثل التصوف باطن الحقيقة.

ويرى زيدان أن التصوف إجمالاً هو "تذوق الشريعة"، وهو التوغل فى رؤية العالم، بحيث لا يقف الصوفى عند ظاهر الأمور، وإنما يسعى لاستشعار حقيقتها الباطنة، وأيضاً التصوف عكوفٌ على الذات، بمعنى مراقبة النفس والإبحار فيما يتجلى بقلب الصوفى من رؤى ومشاهدات، على اعتبار أن النفس، أو بالأحرى: الروح، هى المرآةُ التى يتجلَّى على صفحتها الكونُ كله.

رؤية الصوفيين أنفسهم

كما يرى زيدان أن التصوف يشق مجراه فى تأويل النصوص، ويرى أن التأويل أمر لازم للنصوص الدينية ، فبدون التأويل لا يكون النص دينياً وإنما يتحول إلي نظرية ما أو قاعدة أخلاقية، ويذكر زيدان أن هذا ما جعل الحلاج يقول " اقرأ القرآن كأنه نزل فى شأنك أنت"، وهو ما يفتح باب التأويل على مصرعيه.

ويؤكد زيدان أن أسس الايمان في التصوف الاسلامي هي من الاسلام . فعقيدة التوحيد والتصديق بالرسالة والتقيد بالفرائض هي من اصل اسلامي . وقد التزم بذلك متصوفة القرنين الاول والثاني من الهجرة وبعض متصوفة القرن الثالث والرابع ، غير ان هذا التصوف لم يبق بمعزل عن المؤثرات الخارجية كالتأثير المسيحي في فكرة الحب الإلهي التي دعت اليها رابعة العدوية ( 186 هـ ) ، وكذلك مظاهر العزلة التي نجدها في حياة بعض السالكين بما يشبه حياة الرهبان .

ويوضح زيدان فى دراسته أن للتصوف الاسلامي ادوار شأنه شأن أي نشاط فكري أو وجداني ، فقد نشأ اولا بسيطا ، ثم اتسع وتطور بحكم النمو الطبيعي وبتأثير العوامل الخارجية . وأوجز التصوف الاسلامي في ثلاثة ادوار رئيسية هي الزهد العلمي ، والفلسفة الصوفية وأخيراً لمبادئ المتطرفة .َ

فدور الزهد العلمي لم يكن فيه التصوف مدرسة فكرية متمية بذاتها وإنما كان مجرد طريقة زهدية تتصف بالرغبة الشديدة في ممارسة شعائر الدين والاستهانة بأمور الدنيا مع القيام بفرائض الدين على اكمل وجه، . وبدأت هذه النزعة اكثر وضوحا وتميزا في تعاليم الحسن البصري ومواعظه الدينية في مسجد البصرة ولهذا عده المتصوفة رئيسهم الأول.

أما دور الفلسفة الصوفية فقد بدأ بالتأثر الخارجي في النزعة الزهدية عندما اختلطت الشعوب الاسلامية بالامم الاخرى نتيجة الفتوحات الاسلامية خاصة في الهند وفارس والروم، واتجه المذهب الصوفي بعد ذلك اتجاهين فيهما فكر وفلسفة

ودور المبادئ المتطرفة الذي من أشهر رواده ابو منصور الحلاج ( 310 هـ ) غالى غالي فيه الحلاج في فكرة الفناء ، حتى زعم انه يتحد عند النشوة بالذات الإلهية ويغدو معها ذاتا واحدة مما حمله على القول : « أنا الحق والحق أنا » وهو ما عرف بالشطحات الصوفية . وقد أثارت مواقف الحلاج استنكار الناس فقبض عليه وقتل . ثم جاء الغزالي وحاول ان يحرر التصوف من مثل هذا الغلو ويربط أصوله بالشرع ويحببه الى قلوب الناس . 

 التشابه والاختلاف بين الصوفية والسلف


وعن أوجه التشابه والاختلاف بين الجماعات الصوفية والجماعات السلفية ذكر زيدان في دراسة آخري له بعنوان المؤتلف والمختلف بين الفرق الصوفية والجماعات العقائدية أن الطرق الصوفية، سلفيةُ الجوهر، فكل طريقة تعود بأصولها إلى واحد من السلف الصالح هو "الإمام علىّ بن أبي طالب" الذى تلقَّى مباشرة من نبى الإسلام الذى قال فى حقه: مَنْ كنتُ مولاه، فعلىٌّ (ابن أبى طالب) مولاه.

بينما تؤكد الجماعات السلفية على اختلافها، أنها تقتدى بالسلف الصالح عموماً من دون تخصيص.

ويضيف زيدان أنه تجمع بين المتصوفة والسلفية، دائرة إسلامية واسعة هى (أهل السنة والجماعة إذ إن جميع مشايخ الصوفية المبكرين والمتأخرين، ينتظمون فى إطار السُّنة وهو الموقف العقائدى الذى تطوَّرت عنه فيما بعد الجماعاتُ السلفية.

كما يشترك المتصوفة مع السلفيين فى رفضهم للفرق الكلامية، خصوصاً المعتزلة، غير أن المتصوفة اقتداءً بمشايخهم الكبار لا يخوضون كثيراً فى الرد على هؤلاء المتكلِّمين بينما يهتم السلفيون بذلك، ويخصِّصون له الرسائل والكتب الكبار.

ويجمع بين الطرق الصوفية والجماعات السلفية أمورٌ أخرى، علاوة على ما سبق، منها ما يمكن إجماله فى النقاط التالية:

- يرتبط المتصوِّف بإمامٍ روحىٍّ مباشر "رابطة الشيخ والمريد" بينما يلتزم السلفىُّ بإمامٍ شرعىٍّ تسمِّيه بعض الجماعات "أمير الجماعة."

- يتخذ المتصوفة والسلفيون، كلاهما، من الموروث القديم منبعاً لاستلهام الخبرة الدينية، فيتأسَّى كلٌّ منهما بالسابقين من المشايخ (الصوفية، المجتهدين) كنبراسٍ ينير الطريق الروحى المسمَّى فى التصوف بالمجاهدة، وعند السلفيين الجهاد..

ومما يجمع بين المتصوفة والسلفيين، المعاصرين، هذا النـزوع للاستعلان الجماعى والظهور الاجتماعى، حيث يسعى المتصوِّفة (لا الصوفية) مثلما يسعى السلفيون، للاستعلان الجماعى المؤكد لحضور كل فريق منهما، وهو ما يفعله المتصوِّفة فى «الموالد» السنوية للأولياء، ويفعله السلفيون فى التظاهرات الاجتماعية كالأفراح والمآتم.

غير أن حالة الظهور والاستعلان (المحدود) للمتصوفة، جعلت الفريقين يختصمان.

فقد رأى السلفيون أن المتصوِّفة حين يحتفون بالموالد ويتحلَّقون حول قبور الأولياء، إنما يمارسون نوعاً من (الوثنية القديمة) أو بحسب التعبير السلفى المشهور: الشرك بالله..

بينما يسخر المتصوِّفة من قصور نظرة السلفيين للأمر، مؤكدين أن الحفاوة بالأولياء السابقين، هو من قبيل التبرُّك بهؤلاء الذين كانوا علامات الطريق إلى الله.

وهو ما يعود السلفيون بدورهم إلى إنكاره، مستخدمين المفهوم القرآنى الناعى على المشركين، أنهم كانوا يتعبَّدون للأصنام لأنها (تقرِّبنا إلى الله زُلْفَى) فيجد المتصوفة أن هذا الجدل وصل إلى حَدِّ السخف، فيمتنعون عن الرد.. ويفترق الفريقان عند تلك النقطة، ولا يلتقيان من بعدها.

كما يفترق المتصوِّفة عن السلفيين فى نقطة أخرى، مهمة، هى ما يعرف فى المصطلح الصوفى باسم "الظاهر والباطن" حيث يرى المتصوفة أن السلفيين وأمثالهم، هم أهل الظاهر والمظاهر القشرية الحاجبة عن حقائق التجربة الدينية الحقة، بينما يعد السلفيون هذا الكلام، من قبيل اللغو الذى لا طائل تحته، محتجِّين بأن نبى الإسلام تركنا على" المحجَّة البيضاء" ظاهراً وباطناً، وليس هناك ما يمكن أن يسمَّى بعلوم الباطن..

فيستخفُّ المتصوفة بكلام السلفيين، ويتعجَّبون من إنكارهم لدقائق الصلة الروحية مع الله.

ومعروفٌ أن المفاهيم الدينية إنما تتكوَّن فى أذهان الناس، على اختلاف مذاهبهم، عن طريق فَهْم النصوص والتأويل الخاص للمفردات.. وهو الأمر الذى يُسرف فيه المتصوفة الذين يرون أن معانى القرآن تتفتح فى قلب قارئه، وفقاً للقاعدة الصوفية القائلة "اقرأ القرآن كأنه نزل فى شأنك أنت"

بينما يرفض معظم السلفيين تأويل آى القرآن، ويؤكدون أن هذا التأويل هو بابٌ يفسح المجال لغُلوِّ (الغُلاة) الذين سرعان ما يمرقون من الدين كله

ويحتجُّ المتصوِّفة على السلفيين ببعض الحجج التى لا تجد عند السلفيين رداً عليها، كاعتقاد المتصوفة بالكرامات وإمكان تصرُّف الأولياء فى الكون، وفقاً للحديث القدسى: «ما يزال عبدى يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به…»! وهو الأصل الذى توقف عنده الإمام السلفى الكبير (ابن تيمية) ووصفه بأنه: أصحُّ الأحاديث التى يستدل بها أهل الولاية عليها.. يقصد على صحة القول بولاية الأولياء .

ويذكر أن أبو حنيفة النعمان صاحب أحد المذاهب الفقهية الأربعة هو أيضاً صاحب طريقة في التصوف، فقد قال علي الدقاق: أنا أخذت هذه الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشلبي، وهو من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داوود الطائي، وهو أخذ العلم والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكل منهم أثنى عليه وأقر بفضله.

كما قال الإمام مالك بن أنس " من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق”، بينما قال الشافعى عن التصوف " حبب إليّ من دنياكم ثلاث: ترك التكلف، وعشرة الخلق بالتلطف، والاقتداء بطريق أهل التصوف"

وأيضاً روى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قبل مصاحبته للصوفية كان يقول لولده عبد الله: يا ولدي عليك بالحديث، وإِياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإِنهم ربما كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلمَّا صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فِإِنهم زادوا علينا بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة

الثلاثاء، 2 أبريل 2013

حين نظرت إلي مريم



يقولون أن الإنسان في أي وقت ممكن أن يمر بموقف يغير له حياته، صدفة لم يكن يتوقعها قد تكون كفيلة بأن ت

صدمه في نفسه وفي العالم من حوله، وتجعله يغير من أفكاره وعاداته ومبادئه أحياناً.

أعتقد أنني مررت بتلك الصدفة حين نظرت إلى مريم…

رأيت مريم مراراً في حياتي، رأيتها في وجوه الكثير من أطفال الشوارع، ولكني كنت آراها في عالمي .. كنت آراها أحياناً واقفة على رصيف المدينة النظيف، وأحياناً آخري أراها بجوار البحر أو في أي مكان يبدو نظيفاً وجميلاً .. ولا يعكر صفوه وجماله إلا شيء واحد… وجود مريم أو أحد أشباها فيه.

وكان رد فعلي تجاهها يتفاوت، فأحياناً التذمر من انتشار مريم وأشباهها بهذا الشكل، ليشوهوا جمال مدينتى المحببة، وأحياناً أخرى كنت أشفق عليها واتعاطف معها لكن دون أن اتخذ أى فعل تجاهها.

كنت أشعر دائماً أن ثًمة مسؤول عن انتشار مريم وأشباهها بهذا الشكل، لكنى كنت أمرر صورتها من رأسي دون أن أجهدها فى التفكير عن من المسؤول عن وجود مريم على الرصيف، وليس داخل فصلٍ في مدرسة، أو ملعبٍ في نادٍ، أو على أقل تقدير داخل غرفة فى منزل تحتمي به.

تلك المرة لم أنظر إلى مريم في عالمي، نظرت إليها فى عالمها هي، رأيتها في عشة صفيح يوجد بها أكثر من عشرون طفل على شاكلة مريم.

ولأول مرة يدفعنى فضولى أن اتجه إليها لأسئلها عن عائلتها، فقالت لى أنها لا تعرف لها عائلة!!

مريم الصغيرة الجميلة المُهملة، التي لم تتجاوز الخمس سنوات، عرفت بعد ذلك أنها ابنة لأم من أشباه مريم… فأمها أيضاً طفلة لم تتجاوز الـ18 عام هربت من أهلها وهى صغيرة ولم تجد لها مآوي سوى الشارع، فعاشت فيه وتحملت قوانينه، وبعد عامٍ أو أكثر قليلاً من هروبها أصبحت أماً لمريم..

وبعد أقل من عامين رحلت هذه الأم الصغيرة عن طفلتها ولم تعد، وبقيت مريم مع باقي رفاقها وأشباهها من المجهولين المُهملين.

ياااه لقسوة مجتمع أهًمل أفراده فحولهم من مواطنين كرماء، إلي أطفال تسكن الشوارع، واستزاد في إهمالهم حتى تحولوا لعائلات شوارع، أجيال جديدة تولد وتعيش في الشارع ونحن لا نشعر بها، نتعامل معهم كل يوم ونمر بهم دون أن نسأل أنفسنا عن الجهة التى يتوجهون إليها بعد أن يفارقونا.

حين نظرت إلي مريم تلك المرة، وجدت إجابة للسؤال الذى طالما خطر بذهنى، وطالما كنت أهرب من أن أجد له إجابة، وجدت في عيون مريم نظرة لوم ألقتها علىّ وعلى كل شخص يمر عليها كل يوم وينظر لها بل ويقسو عليها أحياناً.

القت مريم باللوم علينا لأننا أصبحنا نتعامل معها على أنه من المعتاد أن نراها هكذا على الرصيف، قد تكون مريم الصغيرة لا تعرف معني كلمة مدرسة أو منزل، ولكن فطرتها الطفوليه تأبي هذا الوضع، وتؤكد لها أنه ليس بالشيء الطبيعى أن يمر عليها الناس ويجدونها في الشارع قد افترشت الرصيف واتخذت منه مسكناً.

ذكر التقرير الذي أصدرته منظمة اليونسيف عام 2007 أن مصر بها 6 مليون طفل يعيشون في الشارع بلا منزل، بعد مرور أربع سنوات قد يكون هذا العدد ازداد، لكن من المؤكد أنه لن يكون نقص.

6 مليون شخص أو أكثر يعيشون في الشارع، بعضهم لم يعودوا أطفال، وبعضٍ آخر منهم أصبحوا آباء وأمهات لأطفال يعيشون فى الشارع هم الآخرين.

أفكر كيف مرت عليهم أيام الثورة والانفلات الأمني وحالة الرعب التي عشناها، أفكر كيف تمر عليهم أيام الشتاء حين تًغرق المدينة بالأمطار، افكر وافكر وافكر ..

بعد أن نظرت إلي مريم أصبحت أفكر فيهم كثيراً..
التحدي الأكبر لمجتعنا الآن ليس فى الحرية ولا الديمقراطية ولا كل النظم التي يدعو إليها المرفهون من السياسيين، الذين كانوا ينظرون إلي مريم ويتعاملون معها مثلما كنت افعل أنا، التحدي الأكبر لهذا المجتمع الآن أن يرد إليه مواطنيه ويُعيد إليهم إنسانيتهم، بأى نظام وتحت أى مسمى سواء كان ديمقراطي أو إسلامي أو ليبرالي أو علمانى أو بتنجاني. ردوا إلي هذا المجتمع أفراده، وردوا لأطفاله طفولتهم، ثم اختاروا له بعد ذلك الاسم الذي يحلو لكم.

----------

ســـيــــن

23\8\2011

الأربعاء، 20 فبراير 2013

«العنف فى سوريا» يحول لاجئًا من موظف لمتسول فى شوارع القاهرة



سلمى خطاب
هربا من عنف لا ينتهى منذ عامين فى سوريا، تركوا بلادهم، أعمالهم، منازلهم، أموالهم، ونزحوا إلى بلدان متعددة، عربية أو أوربية، تغيرت حياتهم بالكامل، فالطالب الذى كان يستيقظ فى الصباح فى سوريا ليذهب إلى مدرسته، بات يستيقظ اليوم فى القاهرة لينزل إلى أى عمل يكسب منه قوت يومه، والموظف الذى كان يعمل فى إحدى المصالح الحكومية فى دمشق، صار بائع حلوى متجول فى مصر، تغيرات جذرية عصفت بحياتهم حتى دفعت البعض منهم إلى التسول فى الشوارع ليحصل على قوت يومه، حيث يستخدم البعض منهم جواز السفر السورى كوسيلة للتسول .

فـمن هؤلاء "م" (37 سنة)، رفض التصريح باسمه، كان موظفًا فى إحدى المصالح الحكومية بمدينة حلب، وانتقل للعيش فى القاهرة منذ خمسة أشهر، يقول: "هربت من حلب منذ خمسة أشهر بعد أن قُتلت زوجتى وابني، وجئت للعيش فى القاهرة حتى أنقذ ابنتى المتبقية من مصير أمها وأخيها".

ويضيف: "لا يوجد عمل لدي، ولا أستطيع ترك ابنتى لفترات طويلة، ومنزلى تم تدميره فى سوريا، ولا أملك شيئا سوى جواز سفرى وغرفة وفرها لى أولاد الحلال لأسكن فيها مع ابنتي، التى لم تبلغ العاشرة من عمرها بعد".

ويواصل: "أحاول البحث عن عمل لكن كل الأشغال التى عملت فيها لا تستمر، ولا أحصل منها سوى على نقود قليلة لا تكفى احتياجتى وابنتى سوى أيام قليلة".

وبلهجة مليئة بالمرارة قال: "ترى هل يرضينى أن أتحول من موظف كان الجميع يحترمه فى بلاده إلى عابر سبيل يسأل المارة عن صدقة فى الشوارع؟ لكن الحرب تدمرنا وتدمر كل شيء".

من جانبه استنكر أحمد بلوش الناشط السياسى السوري، والمتحدث باسم تنسيقية الثورة السورية فى الإسكندرية سابقًا، ما يقوم به بعض السوريين من التسول باستخدام جوازات السفر السورية، موضحا أن بعض الحالات تكون بالفعل تحتاج لتلك الأموال، وهناك جمعيات مصرية وسورية وأفراد يبذلون قصارى جهدهم لتوفير حياة كريمة للسوريين فى مصر، ولكن هناك البعض الآخر الذى يفعل ذلك بغرض النصب أو ما شابه".


وأضاف بلوش: "جواز السفر السورى قيمة كبيرة، ولا يصح أن يستخدم فى التسول أو الشحاتة، مشيرا إلى أن من سيتم ضبطه يتسول من السوريين يتم مطالبته بالتوقف عن تلك الأفعال وتهديده بسحب جواز سفره، أو ترحيله من مصر إذا عاد للتسول ثانية".

ويواصل بلوش: "من غير اللائق أن نرهق المصريين الذى أحسنوا ضيافتنا واستقبالنا، كما أن من يعانى من ضيق العيش يمكنه أن يلجأ لإحدى الجمعيات أو الأماكن التى تقدم المساعدات للسوريين، لا أن يستخدم جواز سفره الذى يعد رمزًا لبلده فى التسول".

وأوضح بلوش أن الجمعيات توفر مشاريع صغيرة أيضا للعمالة السورية مثل أماكن لبيع المشروبات أو المأكولات" مما يساعد السوريين على كسب عيشهم بكرامة وشرف.

نٌشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 10 فبراير 2013 

بطش الأسد سرق طلاب سوريا من «دكة المدرسة» للركض وراء العيش في شوارع القاهرة



سلمى خطاب

"دفاتر ممتلئة بمقررات اللغة العربية، وكتب لمناهج اللغة الإنجليزية والفرنسية، وأقلام جفت من عدم استخدامها"، هذا هو المشهد داخل منازل العديد من الشباب السوريين الذين هربوا من بطش الأسد، بحثا عن وطن يأويهم، فوجدوا أنفسهم أمام حياة جديدة لا يتعلمون فيها شيئا، ولا يعلمون عنها سوى أن عليهم أن يمتهنوا أية مهنة ليعملوا بها ليل نهار، حتى يحصلوا على قوت يومهم، فالثورة في سوريا لم تجعلهم يتركون مدنهم وأهاليهم ومدارسهم فقط، بل غيرت مسار حياتهم بالكامل ليتحولوا من طلاب إلى عمال وتجار وبائعين على الرغم من أنهم لم يبلغوا بعد سن العشرين.

ففي الوقت الذي يؤدي فيه الطلاب المصريين امتحانات نصف العام، تجد "غيث مياسة" الذي كان يدرس بالصف الأول الثانوي في "ريف دمشق" جالسا في أحد المطاعم الذي اتخذ من العمل فيه مصدرا لكسب قوته ورزق لأسرته، التي أتت بالكامل إلى مصر منذ ثلاثة أشهر هربا من أصوات الطائرات والمدافع الثقيلة التي كانت تقصف ريف دمشق يوميا.

"إما برجع إلى سوريا وبكفي دراستي هناك، أو بلا تعليم".. قالها غيث الذي سيتم عامه الـ17 الشهر القادم، بصوت مليء بالأسى، مسترسلاً "ما داعي التعليم طالما لست بسوريا، بكرة الله بينصر الثورة وينتقم من الظالم وجنوده، وبعود إلى مدرستي".
ويضيف غيث، "حتى لو أردت أن أعود إلى المدرسة، غير مسموح لنا بدراسة المناهج السورية، بندرس على النظام المصري الذي لا نعرف عنه شيئا، ومن أراد أن يدرس على النظام السوري، يجب أن يؤدي امتحاناته في السفارة السورية التابعة إلى النظام الذي تركنا بيوتنا ومدارسنا هربا منه".
قطع الحديث صوت ضحكاته الخافتة، فهيئته الممتلئة القصيرة ووجهه الذي يخط فيه شاربه أولى علامات الرجولة وضحكته الطفولية التي لا تفارق شفتيه، توحي بأنك أمام طفل شقي كثير المزاح، لكن بتدقيق النظر ستلمح وراء عيون ذلك الطفل شيخا كبيرا شاب شعره من هول ما رأي، وإذ به يقول وقد ارتسمت ملامح جادة على وجهه الذي كان يضحك منذ قليل "لولا الضحك كنا موتنا من الهم إذا نجينا من القصف" .
"عماد حروب" ابن الـ14 عاما، الذي فر من سوريا هو وعائلته هربا من قصف مدينة اللاذقية منذ أكثر من 7 أشهر، يعمل بمطعم للمأكولات السورية يقول لنا: "لولا أن هدمت قوات الأسد منازلنا، وشردت العائلات في حينا بعد أن قتلت منهم المئات، ما كنا تركنا سوريا ولا جينا على مصر، فالنظام يسهل دائما الخروج من البلاد حتى تخلو لها يفعل فيها ما يشاء".

ويوافق "عماد" على كلام صديقه "غيث" اللذان يعملان بنفس المطعم، بأنه لن يعود إلى الدراسة طالما لم يعود إلى سوريا، مبررا "أنه على الرغم من الترحيب الذي نلاقي به من كل من يتعامل معنا من المصريين، إلا أن الدراسة في مصر تحتاج إلى أموال كثيرة حتى نستطيع دراسة المناهج السورية، إضافة إلى أننا نرفض فكرة الدراسة خارج سوريا وهي تمر بتلك الظروف، فأضربنا عن التعليم حتى نعود إلى بلادنا".

الحال يختلف قليلاً عند "نضال حسن" الذي يعمل في أحد محلات بيع الملابس بمنطقة الهرم، ربما لأنه أتم دراسته الثانوية في سوريا والتحق بالجامعة في دمشق ليدرس الصيدلة، ولكن حالت الثورة وما تبعها من اشتباكات مسلحة بينه وبين حلمه من أن يكون صيدلي، لينتهي به الحال كبائع للملابس في إحدى شوارع القاهرة التجارية.

يقول "نضال" الذي أتي من "درعا" بحثا عن أمان له ولأمه العجوز التي لا يوجد من يرعاها سواه "التحقت بجامعة دمشق لأدرس الصيدلة قبل بدء الثورة بشهور قليلة، ولكن حين قامت الثورة وبدأت الاشتباكات المسلحة تصل إلي درعا، خشيت على أمي وعدت لاصطحابها معي، ولكن حينها لم تكن دمشق بأكملها أمان، فقررنا الرحيل إلي مصر، وهنا 
لم تسمح لي ظروف العيش بالتسجيل في الجامعة ومواصلة دراستي". 

نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 21 يناير 2013 

شريف شاهين..«تاجر السعادة» لذوي الاحتياجات الخاصة

المهندس شريف شاهين 

سلمى خطاب
فاقد الشيء لا يعطيه، وربما يكون هو أكثر القادرين على عطائه، قاعدة أثبتها بجدارة المهندس شريف شاهين أو "تاجر السعادة" كما يدعوه أصدقاؤه، مهندس الإلكترونيات الذي حول مسار حياته لخدمة المعاقين حركيًا من جميع الجهات نفسياً وبدنياً، بل وتغيير ثقافة المجتمع تجاههم أيضاً من خلال نشر "اتيكيت التعامل مع المعاق حركياً".

"هدفي أن يجد المعاقون حركيًا أطرافا ملائمة لهم تجعلهم سعداء، دون أن يتعرضوا لأي استغلال" بهذه الكلمات بدأ المهندس شريف شاهين حديثه لـ"الشروق" عن مشروعه في خدمة مبتوري الأطراف والمعاقين حركياً، الذي بدأه منذ سنتين، في المنصورة، عمل وحده خلالهما مع ما يقرب من 15 حالة، قائلاً: "تعرضت لحادث سيارة وعمري لم يتجاوز العامين، بُترت على إثره قدمي اليسرى، وكان لابد من تركيب طرف صناعي حتى أقدر على المشي ثانية، وكنت أتردد على الوفاء والأمل في القاهرة وكنت حينها أول طفل يدخل إلي ذلك المكان فكان أغلب المتعاملين مع المكان إما كبار السن أو المحاربين، وظل الحال كذلك لسنوات كل عام أطول الطرف الذي أرتديه أو أبدله بآخر".

ويواصل شاهين: "وحين عدت إلى الوفاء والأمل وجدت أمورًا قد تغيرت تماماً، فأغلب العاملين القدامى إما رحلوا أو فتحوا شركات خاصة بهم.. ولم تكن المعاملة جيدة حين عدت ورأيت الناس يعانون كثيراً هناك، فبدأت الفكرة تدور في رأسي بإنشاء مركز لخدمة المعاقين حركياً أو مبتوري الأطراف من النواحي النفسية والجسدية وكل هدفي هو أن يجدوا أطرافًا ملائمة لهم ويحصلوا على رعاية مميزة ويكونوا سعداء ومتأقلمين مع الوضع الجديد الذي طرأ عليهم".

ويشرح شاهين فكرته بأنها تهتم بالعلاج والتأهيل نفسي للشخص الذي حصل له بتر في أحد أطرافه، إضافة إلى التأهيل البدني والعلاج الطبيعي لذلك الشخص، خاصة وأن الذي تُجرى له عملية البتر يمكث في السرير لمدة قد تصل إلى ستة أشهر، مما يجعل كل عضلات جسده في حالة تيبس.

ومن ثم وجب إعادة تأهيله بدنيًا، ثم توفير طرف صناعي مناسب للشخص ولظروفه الاجتماعية وطبيعة عمله وحالته المرضية وطوله ووزنه، ثم خدمة ما بعد البيع من تدريب الشخص على الطرف الجديد، مشيرًا إلى أن الشركات التي تبيع الأطراف لا تهتم بأيٍ من هذه الجوانب، وكل ما تهتم به هو بيع الطرف للعميل، ومن بعدها تنقطع علاقته بالشركة، وقد عانيت من ذلك كثيراً".

كما أعمل أيضًا على تغيير ثقافة المجتمع تجاه ذوي الاحتياجات الخاصة أو مبتوري الأطراف، من خلال ورق وزعته في بعض الندوات وأعمل على نشره، يشرح إتيكيت التعامل مع المعاقين حركيًا؛ مثل كيف تتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة حين يدخل إلى مكان، وإن كان يجلس على كرسي ما، المسافة الملائمة التي يجب أن تكون بينكم أثناء التحدث، ومتى تقدم له المساعدة إن احتجتها وكيف تقدمها، وغيرها أمور كثيرة.

على الرغم من أنه إلى الآن لا يملك مقرًا لمشروعه، إلا أن "تاجر السعادة" يصمم على تحدي كل الصعوبات التي واجهته وستواجهه، لتنفيذ مشروعه في المنصورة، لكسر المركزية التي عانى منها كثيرًا حالمًا بمركز للتأهيل البدني والعلاج الطبيعي، ومصنع للأطراف الصناعية في بلدته ليخدم أهالي الدلتا والصعيد الذين عانوا من تمركز تلك المصانع في القاهرة، والذي قد يحتاج الشخص إلى ترك الطرف الخاص به في القاهرة لإصلاحه أو ضبطه لعدة أيام مما يوقف حياة الشخص بالكامل.


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 22 يناير 2013 

الاثنين، 18 فبراير 2013

«50 قرش» تنقلك من القمامة لمدينة الترفيه «بالمراغي»



سلمى خطاب

50 قرشا، هي التكلفة التي ستدفعها لتنتقل من بين أكوام القمامة إلى عالم الترفيه داخل «ملاهي بكار»، أو «المراغي لاند»، في منطقة "المراغي" العشوائية إحدى ضواحي مدينة الإسكندرية.

"المنطقة فقيرة جدا، وعادة أهلها لا يخرجون منها، والأطفال يحبون الذهاب إلى تلك الملاهي كثيراً"، بهذه الكلمات بدأ "محمد صفوت" أحد أعضاء مشروع «إنسان» الذي يعمل على تنمية العشوائيات حديثه عن منطقة "المراغي"، التي يعيش فيها ما يقرب من 7 آلاف أسرة، غالبيتهم مرضى إما بالفشل الكلوي أو أمراض الدم والجهاز العصبي، نظرا لغرق المنطقة في مياه الصرف بشكل دائم، ووجود خط كهرباء ضغط عال يمر فوق المنطقة.

ويوضح صفوت أن أغلب الأهالي لا يعملون بشكل منتظم، حيث تنحصر أعمالهم في أعمال العمارة "باليومية"، ولا تنحصر العمالة في منطقة المراغي على البالغين فقط، مشيرا إلى أنها تمتد للأطفال أيضا الذين يعملون في المساء بالأفران، أو كسائقين "توك توك" داخل المنطقة، بينما تعمل الفتيات الصغيرات هناك كخادمات في البيوت، وعلى الرغم من ذلك إلا أن نسبة التعليم بين الأطفال عالية نسبيا، حيث تصل إلى 65% وفق إحصائيات مشروع «إنسان».

"لا أتمنى أن أنتقل إلى مكان أفضل، كل ما أتمناه أن يعيش أولادي بصحة أفضل على تلك الأرض"، هكذا قال "عم محمد" الذي يعيش في منطقة المراغي، ويعمل في أعمال المحارة، قائلاً: "إن أهالي المنطقة يحاولون أن يجعلوا ظروفهم المعيشية أفضل من هذا الوضع، حتى لا يصاب أولادهم بالأمراض النفسية، بعدما أصيبوا بالأمراض العضوية".

ويضيف عم محمد "لدى ابنتان إحداهما مصابة بفشل كلوي تام، والأخرى تعاني من نوبات صرع بشكل غير منتظم، والمنطقة أصبحت مرتعا للأوبئة والأمراض، نظرا لغرقها الدائم بمياه الصرف الصحي، الذي تهالكت شبكته، ولا تأتي أي سيارات لرفعه، فلا يبقى أمامنا سوى الانتظار حتى تجف المياه بفعل الشمس، بعد أن تغرق بيوتنا وتنتشر الأمراض والروائح الكريهة في المنطقة".

نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 8 يناير 2013

البعض يترك «الكنبة» أحيانًا.. بحثًا عن الحياة في «ميدان الثورة»


سلمى خطاب
«حزب الكنبة».. مصطلح ظهر في مصر في أعقاب ثورة 25 يناير، ليشير إلى العدد الأكبر من المواطنين، الذين اكتفوا بمراقبة تطورات المشهد السياسي عبر وسائل الإعلام دون المشاركة الفعلية.. لكن «بعض أعضاء الحزب قرروا مؤخرا النزول إلى الميادين؛ بحثاً عن الحياة»، كما تقول محاسن زكي ربة المنزل، المصابة بالسرطان، والتي أرهقتها ظروف المعيشة بعد ثورة 25 يناير.

«عندما أنزل إلي السوق ومعي 50 جنيها لا أستطيع أن أشتري بها وجبة غذاء لثلاثة أولاد، وعندما تأتيني قيمة فاتورة الكهرباء أكثر من 200 جنيه، وعندما يقف علاج الكيماوي لأكثر من ثلاثة أشهر نظرًا لإضراب الأطباء الذي لم يستجب لمطالبهم أحد إلى الآن، أي حياة تلك التي أعيشها؟، كان يجب عليّ أن أتحرك لأصرخ مطالبة بحقي في الحياة داخل تلك البلاد التي تضيق علينا يوم بعد يوم».. تقول محاسن.

وتضيف: «لا أملك في جيبي سوى جنيه ثمن تذكرة المترو الذي سيقلني إلي البيت إذا استجابة الرئيس مرسي لمطالبنا، أو رحيله؛ لأنه منذ أن تولي الحكم لم يصدر قانوناً واحداً ينصف المصريين، ولم يكن يوماً رئيساً سوى لأعضاء جماعته».
محاسن ليست الوحيدة من «حزب الكنبة» التي قررت مغادرته والنزول إلى الميادين للمطالبة بحقها؛ فعبده فرج، الموظف المتقاعد ذو الـ63 ربيعًا، راقب أحداث الثورة من «الكنبة»، فاض به الكيل من حالة الاضطراب التي تعيشها البلاد منذ سنتين، مما دفعه إلى حمل كنبة رمزية ولافتة كتب عليها «حزب الكنبة خلاص قرر ينزل الميدان».

يقول فرج: «فاض بنا الكيل من عدم الاستقرار الذي يدمر حياتنا، ولم تتحقق مطالب الثورة، وزاد عليها "ميليشات جماعة الإخوان"، التي نزلت لضرب الثوار عند قصر الاتحادية».. ويواصل: «لن أعود إلى كنبتي لحين تحقق الاستقرار في البلاد، وتوقف الإخوان عن أفعالهم التي تقسم بها البلاد وتقودها إلى حرب أهلية، حينها فقط سأعود إلى موقع المراقب للأحداث من منزلي، لكننا لن نقبل بما يحدث من تقسيم متعمد لمصر».


تم نشره على موقع جريدة الشروق بتاريخ 13 ديسمبر 2012 

«أطفال العشوائيات».. أميون حاصلون على شهادات دراسية



سلمى خطاب
السؤال الأول "صف مدرستك في جملة واحدة"

الإجابة "مترصتى جملة مضيفة مطروة"

هكذا أجاب عمر أحمد الطالب في في إحدى المدارس الابتدائية في منطقة خورشيد العشوائية بالإسكندرية على السؤال الذي وجه إليه في امتحان الصف الخامس الابتدائي.

فعلى الرغم من كونهم مقيدين في مدارس، يذهبون إليها يوميا، يلتقون بمدرسيهم، ويحضرون حصصهم، ويستلمون كتبهم الدراسية، ويمرون بامتحانات نصف العام وآخره، إلا أنهم إلى الآن لا يعرفون القراءة أو الكتابة، حتى أن بعضهم لا يعرف كيف يكتب اسمه أو اسم مدرسته.

آلاف الأطفال في المناطق العشوائية، آلاف المشاريع لقنابل موقوتة داخل المجتمع يتم تجهيلهم وتجاهلهم يوميا، فبين أهالي أميين لا يعرفون شيئا سوى المعاناة اليومية في الحصول على لقمة العيش لإطعام أبنائهم وإرسالهم إلى المدارس ظنا منهم أنهم يتلقون تعليميا جيدا يرسمون عليه الآمال لمستقبل أفضل، ومعلمين يعانون هم الآخرون في الحصول على ما يكفي لإشباع حاجاتهم الأساسية، يضيع الآلاف من هؤلاء الأطفال، ويتحولون من مشاريع لمواطنين صالحين، إلى مشاريع مواطنين أميين وجهلاء يزيدون العبء على الوطن والمجتمع، فيما يعرف بظاهرة الأمية المقنعة، وهي أن يكون الطفل حاصل على شهادة دراسية ولا يعرف القراءة والكتابة.

فمنذ أيام قام مشروع "إنسان" إحدى المشاريع الخيرية التابعة لجمعية صناع الحياة، لمؤسسها الدكتور عمرو خالد، بتخريج 150 طفلا من 6 مناطق عشوائية في الإسكندرية من تلك الظاهرة، والعبور بهم من ظلام الجهل إلى نور العلم.

أوضحت مها أمين، المسئول التعليمي عن المشروع، أن "المشكلة التي واجهت متطوعي المشروع حين بدأنا العمل على النهوض بالعشوائيات، كانت أننا وجدنا الأطفال في تلك المناطق العشوائية يصلون إلى مرحلة دراسية متقدمة، ولا يعرفون القراءة والكتابة، حتى أن غالبيتهم لا يستطيعون كتابة أسمائهم، ومن هنا جاءت الفكرة بتكوين مجموعات عمل من المتطوعين تعمل على محو أمية هؤلاء الأطفال، على الرغم من أنهم طلاب مقيدون في مدارس، مشيرة إلى أن هناك "عرف" متبع من الإدارة التعليمية أن من يرسب عام في مرحلة التعليم الأساسي، ينجح في العام التالي حتى لو لم يجتاز الامتحان بما يعرف بـ"قوة القانون".
وواصلت "في البداية عملنا معهم على المناهج الدراسية التي من المفترض أن يدرسونها في مدارسهم، حتى نرفع مستواهم الدراسي، لكن المشكلة التي واجهتنا أن غالبيتهم لم يعرف كيف يكتب اسمه حتى، وهنا لجئنا إلى مناهج محو الأمية ولكن مع تعديلها لتناسب الأطفال، ثم طورناها إلى ما يعرف بالمناهج التكميلية، وتم تقسيمها إلى مستويات حتى تناسب الأطفال في أعمارهم المختلفة".

وأشارت أمين إلى، أن من وضع تلك المناهج هو فريق داخل المشروع اسمه "فريق المناهج التكميلية" وهو مكون من مدرسين ومتخصصين ويتم عرضها على بعض الأساتذة من كليات التربية"، لافتة إلى أن إدارة المشروع تسعى الآن لتسجيل تلك المناهج لدى وزارة التربية والتعليم.

ولفتت إلى أن المشاكل التي تواجه متطوعو المشروع مع الأطفال، ليست مشاكل في المناهج الدراسية فقط، موضحة أن الأطفال يعانون من مشاكل أخلاقية، وخلل في تنميتهم الذاتية، إضافة إلى أنه لا يوجد لديهم أبسط المعلومات العامة؛ لأن لا أحد يسعى لتعليمهم شيئا، وأهاليهم إما أميون، أو يعانون معاناة شديدة لا يملكون الوقت لتعليمهم، ومن هنا جاءت الفكرة بإنشاء برنامج أخلاقي خاص بالأطفال، والعمل على تنميتهم ذاتيا لأن كل هدفنا هو إخراج مواطن صالح لبلده ومجتمعه".


ومن جانبه أوضح الدكتور أمين أبو بكر، الوكيل السابق بوزارة التربية والتعليم لشئون التعليم الأساسي، أنه "لا يوجد قانون يجبر الطفل على تخطي مرحلة دراسية وهو لم يجتاز امتحاناتها، وأن ما يحدث يكون تخط من المدرسين للقانون، بأن ينقلوا الطالب من مرحلة إلى مرحلة دراسية أعلى وهو لم يتعلم شيئا.

وأضاف أبو بكر، أن "الطالب المتعثر في المرحلة الإعدادية يحول إلى ما يسمى بـ"المدارس المهنية الإعدادية"، ولا يسمح له باجتياز المرحلة الدراسية من دون أن ينجح في اختباراتها".

تم النشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 17 فبراير 2013