الصفحات

الجمعة، 24 مايو 2013



مى زيادى ورامز صبحى وسلمى خطاب

"إنتوا جايين فعلاً عشان تشوفوا مشاكلنا وتجيبوا حقوقنا"، بهذه الكلمات استقبلتنا فتاة لم تتجاوز الـ12 عاما، عقب خروجها من مصنع لـ«الألمونيوم» بقرية عرب أبو ساعد، مركز الصف محافظة الجيزة، بعد أن أنتهت«ورديتها»، التى تبدأ فى السادسة صباحا وتنتهى فى الرابعة عصراً، حسبما أبلغتنا، رافضة ذكر اسمها خوفاً من «بطش» صاحب المصنع.

شعاع الأمل الخارج من عيناها يسبق حديثها إلينا عن ظروف عملها القاسية، ورغبتها فى تحسين أجرها المتدنى البالغ «450 جنيها» شهرياً، الذى اختفى بمجرد رؤية صاحب المصنع، ليجدها تتحدث إلينا "محررو الشروق"، لينهرها صارخا: "امشى يا بت من هنا وارجعى على بيتك"، فيمتلكها الذعر، ويعلو ملامح وجهها البرىء، وعيناها الصافتين، وتمضى دون أن تنطق بكلمة أخرى.

ملامحه على النقيض، صاحب المصنع، وجهه عابس يبدو عليه ملامح التعالى والقسوة، بدين الجسد طويل القامة، غير مرحب بتواجدنا وحديثنا مع الفتيات، مختتما حديثة المقتضب إلينا بالقول "أغلب البنات اللى عندى بنات صغيرين عشان الشباب مش عايزة تشتغل"، وطالبنا بالانصراف من أمام المصنع وعدم التحدث إلى إى من العاملات.

لم يمنع ذلك رغبتنا فى التعرف على مشاكلهم، وفى أحد الشوارع الجانبية للمصنع، انتظرنا خروج العاملات من المصنع، واستوقفنا مجموعة من العاملات، وبدأت إحدى الفتيات،16 عاما، تتحدث إلينا قائلة: "مش هقدر أقولك اسمى بس بصوا إيدى مشققة ازاى، وانا دلوقتى عندى 16 سنة وبشتغل فى المصنع من 4 سنين وفى الـ4 سنين دول مرتبى مزادش ولا مليم، هما هما الـ450 جنيه، وبنشتغل بمطارق وبندق على الألمونيوم".

وقبل أن تستطرد أكثر فى الحديث وينتقل خيط الحديث إلى زميلتها، فؤجئنا بسيارة صاحب المصنع تطاردنا من جديد وبداخلها أربع أشخاص يقطعون علينا الطريق، ويبدأون فى التعدى علينا بدعوى عدم الالتزام بتعليمات صاحب المصنع!؛ ما أدى إلى تجمهر أهالى القرية حولنا وإنقذنا من إيدهم. 


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 22 مايو 2013 

«على ماضى» أقدم عطارى الإسكندرية.. ومشوار 70 عاما علاج بالأعشاب

عطارة على ماضي- تصوير: أميرة مرتضي 


سلمى خطاب

سريعا ستنفذ إلى أنفك رائحة الأعشاب والتوابل المختلفة وأنت تتجول فى الأزقة الضيقة لحارة العطارين بالإسكندرية، التى تضم عددا كبيرا من الدكاكين القديمة المليئة بالأعشاب البرية والزيوت العطرية والتوابل والبهارات، ومن بين تلك الدكاكين القديمة دكان، على ماضى، الذى ستقع عينك عليه، ويعود تاريخه إلى عام 1906، حين قرر الحاج «على ماضي» أن يفتح دكانا للعطارة، ليصحب بعد 107 أعوام أقدم وأشهر دكان للعطارة فى الإسكندرية.

على كرسى جلدى قديم يجلس الحاج عبد السلام على ماضى، والذى ورث العطارة عن والده، ويعمل بها منذ عام 1942، منذ أن كان عمره 11 عاما، يساعده والده وأخيه الأكبر ويتعلم منهم، يمر عليه الناس الآن يلقون التحية ويسألونه عن أوجاعهم، فيطيبها بخلطات الأعشاب والزيوت، بخبرته التى اكتسبها على مدار 70 عاما يعمل فى العطارة، ويقول "قديماً كان العطار هو صيدلى المنطقة يصف الأدوية ويعالج المرضى، ولا يزال إلى الآن الناس يأتون طلباً للعلاج بالعطارة والأعشاب الطبيعية، فالطب مازال عاجزاً عن علاج الكثير من الأمراض، وتستطيع الأعشاب مداواتها". 


عبد السلام ماضي- تصوير: أميرة مرتضي


«ماضى» الذى يستغرب التغيير الذى طرأ على زبائنه على مر العصور والحقب التاريخية المختلفة التى عاشها، بدءاً من تغيرت ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، إلى تغير أسعار العطارة، ويحكى ماضى عن الزمن القديم، فيقول "زمان التوابل العادية اللى الوحد كان يحتاجها لبيته للطبخ كنت تشترى اللى تحتاجه لسنة كاملة بجنيه واحد بس، أما الآن فارتفعت الأسعار لدرجة أن الـ20 جنيها لا تكفى لشراء التوابل لشهر واحد"، ويرجع ذلك السبب إلى ارتفاع أسعار الأعشاب والتوابل المستوردة من منبعها.

وبالرغم من حزنه لأن أغلب التوابل صارت تستورد من الخارج الآن، إلا أنه يوضح أن مصر لازالت تصدر العديد من التوابل مثل الكمون والكسبرة وحبة البركة، كما أن بعض الأعشاب العلاجية تأتى مخصوصاً من الصحراء مثل الشيح والسلامكة التى تستخدم كمسكن وعلاج دورى للعديد من الأوجاع.

"طول ما فى أمراض وفى عدم استجابة من الدكاترة الأعشاب شغالة" بهذه الكلمات ختم ماضى حديثه لـ"الشروق" لحظة دخول إحدى السيدات المسنات عليه تطلب منه أن يحضر لها وصفة تتكون من بعض الأعشاب وحبة البركة لعلاج ابنتها التى تعانى من آلام فى الكبد.


نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 22 مايوم 2013

الجمعة، 10 مايو 2013

حين انتقلت إليها


هؤلاء الذين يتحايلون على الأمل... أشد الناس يأساً   

 



سخرت كل حواسك للكذب على... إلا عينيك كانت تؤكد لي أن أمر ما على غير ما يرام... رسالة التقطها قلبي بسهولة وصدقها سريعاً... كنت تخفي عني أن فراق ما قد بدأ في مهاجمتك... وأنك على وشك الهزيمة... وذلك الفراق الملعون ينتصر عليه.

أن عيوناً غير عيوني سهرتك ليلتك... وأن روحاً غير روحي تحلق في سماؤك... وأنا قلباً غير قلبي يطرق بابك... وأنك دون أن تدري سمحت له بالدخول... لكن لحظة دخوله حولتك بداخلى إلي ذكري...

ذكراك تطاردني بشدة... تقلقني... تسرق من عيني النوم... تطاردني وتشتت تركيزي... تراودني فكرة مجنونة بأن امسك الهاتف وأحادثك... احاول أن امنعها... اطردها من رأسي... لكنهم إلي الآن لم يكتشفوا طريقة لمنع الأفكار من السيطرة على العقول... أو طرد صورة إنسان من ذاكرتك... ما يرغب فيه العقل وما يعلق بالذاكرة لا إرادة لنا فيه.

أمضي بثبات نحو مستقبل غامض... لا آري فيه سوي الضباب... وعيناك باسمتان بعيدتان على مرمي البصر من هذا الضباب .... في خيالي وتمد يدك الدافئة لتمسح الدموع التي تسببت فيها منذ قليل... وكأنك أنت المرض والدواء... وفي واقعي أنت أبعد من الخيال.

وكلما اشتقت إليك ابحث عنك في عينيها تركت ظلاً ما فيهما... تحاول هي إخفاؤه ولا تستطيع مهما حاولت... ربما هي لا تعرفك جيداً بعد... ولا تعرف كم عصي على العيون أن تخفي لمعان إعجابها بك.... وربما هى لا تحاول ربما تتباهي بذلك الظل الذي انتقل بين يومٍ وليلة مني إليها... مثلما تتباهي بقلبك الذي حملته بجزء من روحي ووضعته بين يديها.

الفظ أنفاسي الأخيرة.. وأنت تملاً رئتيك بأنفاسها... أحبك كثيراً... وأنت صرت تحبها... الآن أقبل عينك بقلبي وأمضي... وأتركك آمناً بين أحضانها.


الخميس، 9 مايو 2013

الإسكندرية مدينة تتحول من العالمية إلي العشوائية


لم يتوقف الإهمال في مدينة الإسكندرية على مشاهد القمامة التي تكتظ بها الشوارع وباتت منظرها مألوفاً في أرقي وأشهر أحياء المدينة، ولا على الآلاف الأبنية المخالفة التي تنذر بكارثة حقيقة ولا تحرك حقيقي تجاه وقفها، بل امتد الأمر ليشمل عمليات هدم عشوائية أو تخريب متعمد للعديد من مباني المدينة التراثية.

لم يكد السكندريون يفيقون من صدمة قرار رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري رقم 86 لسنة 2012، و الصادر في 21/1/2012 بمحو فيلا شيكوريل من قائمة المباني التراثية بالمدينة والتي يرجع تاريخ بناؤها إلي العشرينات من القرن الماضي، حتى فوجئوا الجميع بإخلاء مبني النادي اليوناني تمهيداً لهدمه والذي يقع في شارع متفرع من شارع اللاجتيه بمنطقة الإبراهيمية، ويعود تاريخ بناؤه إلي عام 1906 وكان مقره شارع الأمير إبراهيم يحيي ولكن هذا المقر تهدم إبان الحرب العالمية الثالثة وانتقل النادي النادي إلي مقره الحالي الذي سيهدم خلال أيام.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وجه الدكتور كمال الجنزوري رئيس الوزراء ضربة جديدة إلي التراث السكندري حيث أصدر القرار رقم 351 لعام 2012 آخر بمحو فيلا النقيب التي تقع في 239 شارع جمال عبد الناصر من قائمة التراث.

وفيلا النقيب تقتنها عائلة الدكتور النقيب باشا (مدير مستشفى المواساه والطبيب الخاص بالملك فاروق) وكانت تقيم فيه الملكة ناريمان بعد زواجها من الدكتور ادهم النقيب.

مش هنسيب إسكندرية تتهد:

تحت هذا الشعار انطلق مئات من النشطاء وأستاذة وطلاب العمارة والفنون الجميلة والهندسة في حملة تهدف إلي حماية تراث الإسكندرية، حيث نظموا العديد من الوقفات أمام النادي اليوناني وأمام فيلا شيكوريل، أوضحوا في بيان لهم خطة عملهم لوقف ما أسموه بعمليات "الذبح للثرات السكندري" حيث ذكر البيان أن الحملة بصدد البدء في حملة للرسم بالجرافيتي والملصقات لتنبيه أهالي المدينة بخطر الطمس المعرضة له، ولكسب التأييد الشعبي المناسب للقضية، وأيضاً العمل على إيجاد الحلول المناسبة لملاك هذه الأراضي والمباني التراثية للحفاظ عليها وعدم تعريضها للابتزاز من قبل المقاولين ومافيا هدم المباني التراثية وتحويلها لملكية عامة تستغل لخدمة المواطنين.

من جانبه طالب المهندس شريف فرج مدرس العمارة بكلية الفنون الجميلة بتحويل تلك المباني إلي مراكز ثقافية أو مكتبات عامة، كما اقترح أيضا تحويلها إلي فنادق صغيرة مثلما يحدث في الدول الأوربية أو تأجيرها إلي البنوك والمؤسسات التي تقدم خدمات عامة، مؤكداً على أن أفضل طريقة للحفاظ على هذه المباني هي تشغليها، أما تركها خالية وتعرضها للعوامل الجوية دون الاهتمام بها وإجراء عمليات الصيانة اللازمة يعرضها للتخريب والهدم.

يذكر أن قوائم المباني التراثية في الإسكندرية تحتوى على ما يزيد عن خمسة الآلاف منشأة ما بين مباني ذات طابع معماري مميز مثل فيلا شيكوريل، ومباني مرتبطة بالتاريخ القومي، ومباني مرتبطة بشخصية قومية مثب منزل سيد درويش بمنطقة كوم الدكة، ومباني آخري تمثل حقب تاريخية مثل مبنى المحافظة الذي اخترق وتهدم بعد خلال أحداث ثورة 25يناير، وأيضاً هناك مباني تمثل مزارات سياحية.


نُشر في جريدة الأهالي أغسطس 2012

الأحد، 5 مايو 2013

شتات كلمات



أعشق الكتابة لكني لم أعد قادرة عليها... لم يعد لي خيال ولا طاقة بها...

 



ما بين الرحيل والرحيل كلمة... (سأفتقدك) ... وما بين اللقاء واللقاء كلمة (اشتقت إليك) ... فما بال الكلمات تعجز حين القاء وحين ارحل عنك... فقط تلك الكلمة التي تستعصي كثيراً على لساني... وتستعصي أكثر على قلمي... كلها مجرد كلمات...والكلام ينقص كلما زاد... ويعجز عن الوصف كلما استخدمته للتوصيف.

ذلك القلم الذي يعذبني كثيراً... سيصيبني بالجنون يوماً... ألا يكفيه أن جعلني أنعزل عن ذلك العالم... وأن أبدو شريدة وتائهة طوال الوقت..

مازلت تائهة عن ذلك المكان الذي سألتقي فيه بأبطال روايتي التي لم تُكتب بعد... ربما نلتقي داخل صخرة على شاطيء البحر... وربما نلتقي في الصحراء الواسعة التي لم تخطها قدمي... أو لعلهم ينتظروني هناك في ركن من أركان غرفتي في منزل عائلتي القديم الذي رحلت عنه وتركت فيه الكثير من خيالاتي وأحلامي...
 

لا أعرف أين ومتي سيكون اللقاء... لكني قلبي يحدثني أنه سيكون قريب... أن هؤلاء الأبطال ينتظروني هناك... فى نهاية ذلك الطريق الذي تركت الجميع لأجله... وراهنت على رحلتي فيه بكل ما أملك.
 

راهنت على مجهول لا يربطني به سوي إيمان خفي يهمس في قلبي بين الحين والآخر أن بقاياي المبعثرة ستتجمع هناك في نهاية ذلك الطريق الذي لا أعرف متي بدأته ومتي سأنهيه وإلي أين سيأخذني...

أمضي فيه معمضة العينين مستلمة للرحلة بكل مباهجها وآلامها... أو ما أظنه أشياء مبهجة أو أشياء مؤلمة... فحين تشعر أنك اُقتلعت من جذورك تختل عندك الموازين ... تختلف الأشياء ويتغير حكمك عليها...

تنظر نهاية الرحلة بوضوح ويرسم لك خيالك نهاية سعيدة مفرحة... لكن عيناك تعمي عن رؤية الأرض التي ستخطي عليها خطوتك القادمة... فتتعثر وتتعثر كلماتك... يقف التعبير على شفتيك... ويتنحى القلم عاجزاً... ويبقي لك خيالك المشتت يرسم لك الأحلام والأوهام... ويقف عجزك حائلاً بينك وبين أن تعيش أحلامك في كتابتك أو في واقعك...

الثلاثاء، 23 أبريل 2013

كنيسة قصر الدوبارة... «بيت المصابين» في كل اشتباكات


 سلمى خطاب
في يناير 1940، أسس مجمع الدلتا الإنجيلي كنيسة جديدة في القاهرة على أن تجتمع هذه الكنيسة في القاعة المملوكة لدار تحرير إرسالية النيل في وسط القاهرة، وتزايد الحضور في هذه الكنيسة الوليدة للدرجة التي أصبحت الحاجة لمبنى كبير حاجة ملحة، وفي ديسمبر 1941 تم شراء قصر في ميدان التحرير بهدف هدمه وبناء الكنيسة الجديدة مكانه.

وفي 11 مارس سنة 1944 وقع الملك فاروق على التصريح الخاص ببناء الكنيسة، ووضع حجر الأساس في ديسمبر 1947 لكنيسة قصر الدوبارة الإنجيلية واكتمل البناء سنة 1950.

واستمرت الكنيسة الإنجيلية على مدار سنوات في تأدية دورها الكنسي، إلي أن قامت ثورة 25 يناير، وما تبعها من أحداث دعت الكنيسة التي تقع في ميدان التحرير إلي فتح مستشفي ميداني يستقبل المصابين فى الاشتباكات، بدءاً من أحداث محمد محمود الأولي وإلي الآن.

تقول إيفا بطرس المسئول عن المستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة أن المستشفي بدأت عملها مع أحداث محمد محمود الأولي، ولا تعمل إلا في أوقات الاشتباكات فقط، وأشارت إلي أن المستشفي تملك فريق خاص من الأطباء والصيادلة الذين يتم استدعائهم حين تحتاجهم المستشفي، كما أن المستشفي تعمل على توفير كل الأدوية والمستلزمات الطبية التي يحتاجها، ولا نطلب من المصابين أن يحضروا أي أدوية أو مستلزمات طبية،كما أن الكنيسة لا تقبل أي تبرعات من أي نوع فيما يخص المسشتفي الميداني، ولفتت إلي أن هذا النظام تم وضعه بعد حادثة السيدة التي أعطت الشباب في الميدان طعام مسمسم، وأصيب العشرات حينها، بالتسمم، ومنذ ذلك الوقت ونحن لا نقبل بأي أدوية أو محاليل أو طعام أو خيوط أو أدوات جراحة تأتي إلينا، وحدث كثيراً أن أجد أشخاص يأتون إلي المستشفي ويعرضون تقديم تبرعات ومساعدات لكن تلك الأشياء لا تقبل لأننا لا نثق في مصدرها.

وأوضحت أن في حال نقص دواء معين تكون المستشفي في حاجة إليه يتم التواصل مباشرة مع أطباء وصيادلة موثوقين، يقومون بتوفير الأدوية والأدوات الشحيحة في الحال، ومن المستحيل أن تقبل مستشفي قصر الدوبارة تلك المساعدات التي تأتي من مجهولي الهوية.
وتروى نادية محمد (طالبة في كلية الإعلام) قصتها مع المستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة، حيث تقول: بدأت معرفتى بقصر الدوبارة في أحداث محمد محمود الأولي حين فتحت المستشفى أبوابها، وقبلت الحالات التي لم تستطع المستشفيات الميدانية علاجها، منهم حالات مصابة بإصابات خطيرة بالخرطوش، وحالات لأشخاص كانوا فاقدين الوعي بكل كامل، لم ترفض قصر الدوبارة أي حالة، والمكان مجهز بشكل كبير لاستقبال المصابين.
إضافة إلي أن المستشفي لا تطلب مننا أن نأتي بالأدوية والمستلزمات الطبية مثلما تفعل المستشفيات الأخرى.
وتضيف دينا ولعان (الباحثة القانونية) والناشطة في كنيسة قصر الدوبارة، أن المسشتفي الميداني فى الكنيسة كان دائم التعاون مع المستشفي الميداني في مسجد عمر مكرم، فكنا نلجأ لهم حين يحدث نقص في الأطباء أو الأدوية، كما أن فريق العمل داخل المستشفي يعمل بنظام دقيق للغاية لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين أو نقلهم إلي مستشفيات مجهزة بإمكانيات أعلي في حين كانت الإصابة خطيرة.
وتتذكر نانسي فارس (21 عام) وقت أحداث محمد محمود الأولي قصتها مع مستشفي الميداني لكنيسة قصر الدوبارة، حيث تقول "كان لنا أصدقاء يصابون كنا ننقلهم على الفور إلي المستشفى، لم يكن الملفت فى حينها أن الكنيسة كانت تقبل أي مصاب لتعالجه دون أن تسأل عن هويته، لكن كان الشيء الجديد هو تدخل الكنيسة فى السياسية وهو أمر غريب على الكنيسة المصرية، حتى في أيام الجمع التي كان بها مليونيات من المعروف أن الكنيسة يكون بها اجتماع صباح كل يوم جمعة، فكان نصف المتطوعين يحضرون الاجتماع، والنصف الآخر يتظاهر في الميدان، وفي حال وقعت اشتباكات تفتح المستشفي الميداني ابوبها لكل المصابين".

نُشر على موقع جريدة الشروق بتاريخ 23 إبريل 2013 

الأحد، 14 أبريل 2013

الحشمة قبل الحجاب دائما! (مقال لحسام تمام)


الحجاب ليس المؤشر الحقيقي على تدين المجتمعات




يؤمن كاتب هذه السطور بأن اللباس الشرعي للمرأة هو الذي يستر الجسم عدا الوجه والكفين، وتتحقق فيه شروط ثلاثة: ألا يصف ولا يشف ولا يكون زينة في ذاته يلفت إليها الأنظار، وأن هذه المواصفات ملزمة دينيا وينبغي على المرأة الاستجابة له أيا كان مسمى هذا اللباس وهيئته؛ ومن ثم فليس من همّ هذه المقالة الاشتباك قبولا أو رفضا مع "الحجاب" الذي صار عنوانا لهذا اللباس، كما لن تتطرق إلي الجدل النظري حول فرضيته، بل هي تسعى بالأساس إلى الاقتراب من روحه وفلسفته والتعرف على ما طرأ عليه من تحولات خرجت به عما شرع من أجله، ومن ثم تطرح -أخيرا- مقاربة مفادها أن الحشمة قبل "الحجاب" ومقدمة إليه.

أزياء الأخوات


يلاحظ المتابع لتاريخ الدعوة الإسلامية الحديثة أنها لم تكن تجعل من الدعوة إلى الحجاب قضية محورية؛ وأنها تكاد تكون غائبة أو متأخرة في أجندة الحركة الإسلامية في العقود الأربعة الأولى لنشأتها منذ أسس الإمام حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928. 
ومن يراجع التاريخ الاجتماعي لحقبة الأربعينيات التي تمثل أوج حركة الإخوان المسلمين أو يراجع أرشيف الصور الفوتوغرافية لهذه الفترة سيفاجأ بأن ملابس "الأخوات المسلمات" والناشطات في العمل مع الإخوان لم يكن يجاوز في أفضل الأحوال "الإيشارب" الذي يغطي الرأس و"الجونلة" الطويلة. ولم تكن ملابس بنات ونساء الإخوان المسلمين -فضلا عن علماء الأزهر ودعاته- تختلف كثيرا عن ملابس المجتمع المصري المحافظ، بل كانت هناك بعض الأسر التقليدية في صعيد مصر وبعض المدن أكثر تشددا في أزياء النساء حتى كانت المرأة فيها ترتدي زيا تقليديا يسترها بالكامل عند خروجها من المنزل، وكان خروج المرأة وقتها نادرا.
لم تكن الدعوة الإسلامية تتكلم وقتها عن شكل أو نمط محدد للباس المرأة إلا ما كانت ترفضه من ملابس نساء النخبة والطبقات المترفة المستغربة التي كانت تقلد المستعمر وتتماهى معه؛ فكانت مكشوفة وفاضحة تخالف الشرع لما فيها من إظهار لما حرمه الله من فتنة المرأة ولما فيه من خروج على قيم الستر والاحتشام المستقرة عند المجتمع. ودون ذلك لم يكن هناك استقطاب حول الزي ولباس المرأة.. فغالبية المجتمع كانت نساؤه محتشمات يقترب لباسهن من مواصفات الحجاب الشرعي إذا ما أردنا توصيف الحشمة والستر في قائمة مواصفات مفصلة (وإن كان يصح في رأيي النظر إلى لباس المجتمع التقليدي باعتباره عين اللباس الشرعي!).


الابتذال الممنهج

يؤرخ بنهاية الستينيات وعقد السبعينيات من القرن الماضي (العشرين) كبداية لانتشار ما صار يعرف بـ"الحجاب" وارتفاع الدعوة إليه على مدى واسع في بلد كمصر. في هذه الفترة كانت البلاد تعيش موجة واسعة للعري والابتذال، الممنهج أحيانا عبر التيارات اليسارية العلمانية، وهو ما ظهر جليا في الأعمال الفنية التي كانت تمثل خرقا وتعديا على ثقافة الستر والاحتشام التي تربى عليها المجتمع، وفي الفترة نفسها بدأت بواكير الصحوة الإسلامية التي تغذت من رافدين أساسيين: الرافد القطبي ذي الروح الانعزالية؛ المفارق للمجتمع والداعي لإعادة أسلمته من جديد (بعكس مشروع حسن البنا الداعي لاستكمال أسلمة المجتمع) والرافد الوهابي الحجازي الذي يقوم على سلفية شكلية تتعامل بتشدد في مسائل اللباس وتستحضر نموذجا محددا لما تعتبره لباسا شرعيا.. في هذه الفترة بدأ يظهر ما عرف بـ "الحجاب"، وارتفعت الدعوة إليه لباسا شرعيا بل واللباس الشرعي الوحيد للمرأة المسلمة.
لقد جرى تحول بالغ الأهمية مع الصحوة الإسلامية في عقد السبعينيات انتقلت معه الحركة الإسلامية في قضية لباس المرأة من خطاب يرفض العري والابتذال الذي يخرج عن قيم الستر والاحتشام التي عرفها المجتمع "المسلم" إلى خطاب آخر مختلف يسعى إلى تحديد الحجاب كلباس "شرعي" وحيد للمرأة يفترض أن تتجسد فيه كل القيم العليا التي يدعو الإسلام المرأة إلى الالتزام بها، وهو تحول جاء ضمن سعي "أيدلوجي" أوسع لبناء مجتمع بديل على أساس من الإسلام.
لقد نشطت الحركة الإسلامية بأطيافها المختلفة في الدعوة إلى الحجاب في صورة معينة ومحددة، خلافا لما كان عليه النظر الفقهي والشرعي المستقر في أن أي لباس للمرأة مباح (أي: شرعي) طالما كان ساترا للجسد فلا يصفه أو يحدده، ولا يشف عما تحته، ولا يكون زينة في ذاته؛ أي لا يكون لافتا يمثل خروجا على الزي السائد والمقبول من المجتمع المسلم.

الحجاب "الاسكندراني"

حاولت أن أتتبع تاريخيا الزمان الذي ظهر فيه الحجاب بصورته المتداولة بين الإسلاميين فرجحت أغلب الروايات أنه بدأ في منتصف السبعينيات بجامعة الإسكندرية التي كانت السلفية هي المهيمنة على الجماعة الإسلامية فيها، وربما كان هذا سبب شيوع صفة الحجاب "الإسكندراني" على هذا النوع من الحجاب الذي تم تعميمه فيما بعد -عبر الجماعة الإسلامية- على بقية الجامعات المصرية ومنها خرج إلى المجتمع المصري واستقر عنوانا وحيدا لللباس الشرعي.
لم تعد المتبرجات السافرات الخارجات على الحشمة المتبرجات هن وحدهن المستهدفات بالخطاب الإسلامي الجديد في قضية اللباس؛ بل صارت كل فتيات ونساء المجتمع -ومنها المحتشمة التقليدية أو المحافظة- مستهدفة أيضا بهذا الخطاب الحاسم والقاطع في أنه لا لباس "شرعي" يجوز لهن إلا الحجاب بالمواصفات التي صاغتها الحركة الإسلامية من تصورها لما كان عليه لباس المؤمنات في زمان السلف الصالح: الحجاب الواسع الطويل المنمط ذو اللون الواحد الذي كان غريبا عن لباس المجتمع.
لم يعد المطلوب من الفتاة أو المرأة أن تلتزم القصد في الملبس أو الاحتشام، وهو ما يمكن أن تجده في لباس أمها وجدتها المنتشر في الريف أو الصعيد أو العائلات التقليدية والمحافظة، بل صار عليها الدخول في لباس جديد لم يتأثر في شكله وطبيعته بأي من مؤثرات التاريخ والجغرافيا ولا تظهر فيه أي تعددية ثقافية أو اجتماعية.. إنه لباس وليد رؤية سلفية لا تاريخية مخاصمة للثقافة والتراث ومستعصية على فعل التاريخ.. تحيل إلى نموذج متخيل لا تاريخي في اللباس.. نموذج جرى تعميمه باعتباره اللباس "الشرعي" الوحيد؛ فصار يباع في الجامعات والمدارس والمساجد بأسعار رمزية لتيسير نشره، وكثيرا ما يتحول إلى هدية توسلية يتوجه بها إلى الفتاة المستهدفة بالدعوة!.
طوال عقد السبعينيات جرى ما أسميه بـ "أيقنة" الحجاب كشكل محدد للباس الشرعي للمرأة؛ أي تحويل الحجاب إلى أيقونة ترمز لمجموعة من القيم والأخلاق وتكاد تجسدها حصريا فضلا عن اختصاره لكل قضايا المرأة المسلمة التي تبدأ ولا تنتهي إلا به، لقد جرى الربط الشرطي والآلي بين ارتداء الحجاب وبين الأخلاق، بحيث صار الحجاب علامة وحيدة وحصرية على الأخلاق التي يفترض أنها تغيب بغيابه وتحضر بحضوره.. فصكت شعارات مثل: حجابك أخلاقك، حجابك عفتك، الحجاب فريضة كالصلاة، الحجاب قبل الحساب، الحجاب عفة طهارة نقاء، الحجاب عنوان حيائك.. وكان الربط الآلي والشرطي بين شكل معين للباس وبين معاني الحياء والعفة والطهارة والنقاء جزءًا من سمة الاختزال والتسطيح التي غلبت على الخطاب الإسلامي الحركي ذي النفس الأيدلوجي الذي ساد حقبة السبعينيات والثمانينيات.
لقد صار الحجاب اللباس الطبيعي والحصري الذي يميز الأنثى المسلمة، وتم تعبئته بحمولة شرعية وأخلاقية كبيرة حرم معها أي لباس آخر غير الحجاب، حتى ولو توفرت فيه الشروط التي استقر عليها النظر الفقهي التقليدي، كما نظر إلى الحجاب منفصلا عن الحشمة التي هي تحييد الأنثى لجسدها وأنوثتها في التعاملات والعلاقات التي يفترض أن تدور خارج ثنائية الذكر والأنثى مثل العمل والدراسة وخلافه.. ومن مفهوم أن يكون الحجاب هو أكثر ما يتحقق فيه هذا الحياد، لكن الواقع يقول إن هذا الحياد كثيرا ما تحقق في لباس آخر غير الحجاب كما نراه في لباس المرأة التقليدية أو المحافظة التي مازالت تتمسك بالاحتشام في الملبس والبعد عن الإثارة دون ارتباط بنظر فقهي معين.
وعلى الرغم من أن هذا التحييد/ الاحتشام من المفترض أن تتوفر شروطه في المحجبات، فإن الواقع أن جزءًا ليس هينا من المحجبات (كما سنرى) يتصرفن كإناث يرغبن في إبقاء جمالهن ضمن المعادلة، بل أكثر من ذلك يرغبن في أن تتحكم الأنثوية في علاقات لا ينبغي أن تحضر فيها الأنوثة.



أيقنة الحجاب
إن الذي جرى من جعل "الحجاب" أيقونة تجسد كل معاني الأخلاق والالتزام الديني كان سببا في غياب الفهم الصحيح للحجاب ومسيرته التي سرعان ما أصيبت بانتكاسة في السنوات الأخيرة سواء في معدلات انتشاره أو حتى في حمولته الدينية.
لقد حالت "أيقنة الحجاب" دون فهم حقيقة أن الحجاب لم يكن يصلح يوما كمؤشر حقيقي ووحيد على قياس مدى تدين المجتمعات التي ينتشر فيها. فكثيرا ما كانت له دلالات لا صلة مباشرة لها بالتدين بقدر ما لها صلة بتحولات اجتماعية وسياسية جذرية تعيشها هذه المجتمعات دون أن يلغي ذلك حقيقة وجود دوافع دينية وراءه.
فكثيرا ما كان الحجاب عنوانا على نزعة استقلال للفتاة أو المرأة التي دخلت عالم الحداثة لكن عبر بوابة التدين.. وهو ما جرى في مصر مثلا؛ حيث كثيرا ما كان الحجاب في حقيقته دليلا على استقلالية المرأة ورغبتها في التحرر من التقاليد؛ ومنها تقاليد اللباس سواء أكان سافرا خارج على الحشمة أو تقليديا محافظا.
إن كثيرا ممن ارتدين الحجاب لم يكن دافعهن رفض السفور والتبرج فقط وهو ما يمكن أن يتحقق في اللباس التقليدي المحتشم مثلا، بل كان دافعهن الاستقلال والتحقق الذاتي أيضا.. فقد أضحت الفتاة المحجبة تتمتع في المجتمع بميزات لا تتمتع بها قرينتها المحافظة المحتشمة، مثل الدخول في النشاط الديني أو الحركي بما فيه معارضة السلطة، بل كثيرا ما نالت بسببه امتيازات لم تكن لقرينتها المحافظة التقليدية، مثل الخصوصية أو السماح بالتأخر عن البيت لضرورة العمل الدعوي أو الحركي.. لقد حصلت كثيرات من الفتيات عبر الحجاب على الثقة والاستقلالية والقدرة في مواجهة المجتمع بما أسس لهن من حقوق لم تحصل عليها الفتاة المحافظة الأكثر انصياعا لقيم المجتمع وتقاليده.
وفي حالات أخرى كان الحجاب أقرب إلى تحصن بهوية مفترضة (أو اصطناع لها أحيانا) احتجاجا على التهميش والظلم الاجتماعي الذي تتعرض المرأة، كما يمكن فهم لجوء كثير من المسلمات في الغرب إلى الحجاب إعلانا لتحدي التهميش والظلم الذي تقوم به المجتمعات الغربية للمسلمين؛ فتعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية وربما الأخيرة.. ومرات أخرى كان الحجاب إعلانا على الانضواء في مشروع أيدلوجي ديني جذري، مثلما يمكننا فهمه في تظاهرات الحجاب أثناء الثورة الإيرانية.. وأخيرا فقد يكون دلالة على الانصياع لضغوط الفضاء الاجتماعي الذي صار فيه الحجاب عنوانا على التدين كما سنعرض لاحقا.


التدين والحجاب

إن أيقنة الحجاب كانت مسئولة أيضا وإلى حد كبير عن التحولات المأساوية التي أصابت الحجاب.. فقد أدى الربط الشرطي والآلي بين التدين والحجاب إلى أن يصير الحجاب وحده هو عنوان التزام الفتاة وتدينها. لقد صار الشكل (الحجاب) مقدما على المضمون (الستر والاحتشام) في تقييم تدين الفتاة وأخلاقها.. حيث تم تكثيف كل معاني الأخلاق والالتزام الديني (عفة، طهارة، نقاء) في الشكل/ الحجاب.. ثم جردت كل من تفتقد هذا الشكل من كل هذه المعاني الإيمانية والخلقية.
انتشر الحجاب فيما مضي بوازع ديني (موجة تدين عام) قوّاه ما جرى من هذا الربط الشرطي والآلي، لكنه صار فيما بعد ضاغطا متحكما بل ومتسلطا في الفضاء الاجتماعي، بحيث أصبح عبئا شكليا لا حيلة أمامه إلا التحايل عليه والالتفاف أو التلاعب به، فصرنا أمام حالة أقرب إلى حالات النفاق، لقد تحول "الحجاب" من قناعة دينية إلى سلطة اجتماعية؛ فكان أن ابتلعه المجتمع وأعاد إنتاجه في صورة قد لا تكون له أدنى صلة بأصله.
لقد أدت الرمزية التي اكتسبها شكل الحجاب إلى أن يصير متحكما في الفضاء الاجتماعي؛ فدخلت تحته مضطرة -لاكتساب شرعية الاعتراف بالتدين والأخلاق- قطاعات واسعة من الفتيات والنساء التزمن بارتدائه شكليا دون أي التزام بمضمونه ومبتغاه.. وهو ما انتهى تدريجيا إلى أن يتحول جهد هؤلاء الفتية والنسوة إلى التلاعب الحجاب والاشتغال على تفريغه من مضمونه، فظهرت أنواع من الحجاب لا صلة بينها وبين الحجاب "الشرعي"، بل ولا تتصل بأي سبب بمعاني الستر والاحتشام.
بعكس الحشمة التي تركز على مخاطبة الضمير وتسعى لضبط سلوك الأنثى ذاتيا؛ صار الحجاب يركز على الانصياع الشكلي ويسعى إلى إرضاء الفضاء الاجتماعي الذي ترسخ فيه الربط الميكانيكي بين الحجاب وكل معاني التدين والتخلق، فصار على الفتاة أو المرأة أن تعتمد الصيغة الشكلانية المقبولة أو المفروضة اجتماعيا (في بعض الأحيان) دون تعمق في روحها أو تحقق لمقصدها، بل وقد تبالغ أحيانا فترتدي أشكالا بالغة التشدد من الحجاب (النقاب أو الحجاب المقارب للنقاب).. ثم تبدأ -بعد أن تكتسب شرعية الحجاب المجتمعية الذي يعطيها أحقية التحلل من مفهوم الحشمة- في اللعب بالأنوثة والجسد الذي ينطق بل ويصرخ من وراء الحجاب ورغما عنه، وساعتها يصبح على المجتمع أن يخوض معركة يجرب فيها من دون جدوى كل الوسائل لضبط هذه الأنوثة التي قررت أن تتحداه وتعلن عن نفسها من وراء الحجاب/ الشكل الذي ألزمها به!.

حجاب التباهي

ولأنه صار أيقونة كان لا بد أن يتحول إلى سلعة في سوق العرض والطلب الذي سيتضمن ألوانا من الحجاب لا تتحقق فيها أي معاني الستر والاحتشام، ولا علاقة لها بالحجاب الذي بدأ وظل شرعيا حينا من الدهر.. سيدخل الحجاب ضمن بيوت الأزياء التي تحوله إلى "موضة" تتجدد بلا توقف، وتجعل منه موضوعا للإثارة والجاذبية والمتعة التي لا تنضب، وسيعرف طريقه إلى الطبقات المترفة التي ستدخل به في صراع الاستهلاكية فيصبح موضوعا للترف والتباهي بعدما كان -في معظمه- لباسا للفقراء والزهاد والمقتصدين في السلوك والأخلاق.. سيعرف عالم الحجاب النقاب الخليجي الذي يلهب -بالعيون المكتحلة والرموش المصطنعة- خيالات المراهقين فتسافر بعيدا في الحلم بما تحت هذا النقاب، وسيدخله الإسبال الإيراني الذي يلفت الأنظار لصاحبته المتفردة قصدا بهذا اللباس في بيئة لم تعرفه من قبل فتصبح موضوعا للعيون التي تنتهبها وتجذب الأنظار أينما حلت وارتحلت على غير قصد الشرع في لباس المسلمة.. بل وسيعرف الحجاب الذي ترتديه صاحبته مع الجينز المحكم على الجسد وربما الاستريتش الشفاف.. بل وترتديه بعضهن مع لباس فاضح يظهر جزءًا من البطن يفصل ما بين نصفيها الأعلى والأسفل.
ستكتمل الدائرة الاستهلاكية الجهنمية وتظهر "المانيكان" المحجبة التي تحترف عروض أزياء المحجبات التي تدمنها نساء النخبة، وستظهر "الموديل" المحجبة التي تملأ صورها الصحف والمجلات وإعلانات الحائط تروج لأزياء مختلفة للمحجبات.. بل وستظهر "الموديل" المحجبة التي تغني وترقص بالحجاب في كليبات الأغاني الشبابية.. لقد تكونت على "الحجاب" سوق وتجارة وعرض وطلب بما جعله سلعة و أدخله في منطق السوق، وهو منطق لا بد أن يخرج به من عالم القيم (الستر والقصد في اللباس) إلى عالم الأشياء؛ حيث كل شيء سلعة في سوق.

الستر والتبرج

أتصور أن الخطاب الإسلامي في مسألة لباس المرأة يجب أن يعود من جديد إلى عالم القيم وينفصل تماما عن عالم الأشياء، فيبعد عن الشكل (الحجاب) ويركز في مقاربته على المضمون (الستر والاحتشام). ولا يجب أن تكون المواجهة بين الحجاب وغيره من اللباس، وإنما بين قيمة الستر والحشمة وبين التهتك والتبرج والإثارة والتلاعب بالجسد، وهو ما لم يمنعه الحجاب الخالي من الاحتشام.
الحشمة والستر هي روح ما قرره العلماء في مواصفات لباس المرأة؛ من أنه ينبغي ألا يصف ولا يشف ولا يكون زينة في ذاته.. وفي الأخيرة تشديد على أن جزءا من شرعية اللباس ألا يكون لافتا للأنظار مثيرا للانتباه متآلفا مع المجتمع وهو ما يتحقق في الاحتشام وقد لا يتحقق في أشكال الحجاب التي تمثل خروجا على المألوف والمستقر من لباس المجتمع كما هو الحال في الإسدال الإيراني في بلد كمصر تنتشر فيه الطرحة التقليدية، أو النقاب الخليجي في مجتمع كالمغرب تنتشر فيه أنواع من اللباس التقليدي المحتشم كالجلابة.
الحشمة مفهوم أوسع من مجرد الشكل/ الحجاب، ومظلته أشمل من مجرد المتدينين/ الإسلاميين، بل ويمكن أن تتسع لغير المسلمين أيضا؛ فرفض التهتك والإثارة واللعب بالجسد ليس خاصا بالمسلمين فقط، بل يمكن أن تلتقي عليه تيارات مختلفة من أديان وثقافات شتي في العالم ما زالت تبحث عن الإنسانية وترفض تحويل الإنسان إلى جسد يتحول إلى سلعة في ثقافة الاستهلاك والمتعة التي غزت العالم وكادت تخنق عالم الإنسان فيه.
إن تحول الخطاب الإسلامي إلى مقاربة الاحتشام بدلا من الحجاب سيفتح بابا لتوسعة مجال الخطاب الإسلامي ومداه بحيث يصبح أكثر انفتاحا على القيم الإنسانية محل الاتفاق؛ فيحول اللباس الإسلامي من لباس ديني إلى لباس إنساني تلتقي عليه الإنسانية في معركتها مع الابتذال والتهتك.